الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
2132 1253 - (2131) - (1 \ 238) عن ابن عباس ، قال : لما نزلت : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا [النور : 4] ، قال سعد بن عبادة ، وهو سيد الأنصار : أهكذا أنزلت يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا معشر الأنصار ! ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم ؟ " ، قالوا : يا رسول الله ! لا تلمه ; فإنه رجل غيور ، والله ما تزوج امرأة قط إلا بكرا ، وما طلق امرأة له قط ، فاجترأ رجل منا على أن يتزوجها ; من شدة غيرته . فقال سعد : والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق ، وأنها من الله ، ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعا قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه ، حتى آتي بأربعة شهداء ، فوالله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته .

قال : فما لبثوا إلا يسيرا حتى جاء هلال بن أمية ، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم ، فجاء من أرضه عشاء ، فوجد عند أهله رجلا ، فرأى بعينيه ، وسمع بأذنيه ، فلم يهجه ، حتى أصبح ، فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله !

[ ص: 372 ] إني جئت أهلي عشاء ، فوجدت عندها رجلا ، فرأيت بعيني ، وسمعت بأذني . فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به ، واشتد عليه ، واجتمعت الأنصار ، فقالوا : قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة ، الآن يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم هلال بن أمية ، ويبطل شهادته في المسلمين . فقال هلال : والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجا ، فقال هلال : يا رسول الله ! إني قد أرى ما اشتد عليك مما جئت به ، والله يعلم إني لصادق .

فوالله ! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه إذ نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي ، وكان إذا نزل عليه الوحي ، عرفوا ذلك في تربد جلده ، يعني : فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي ، فنزلت : والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم [النور : 6] ، الآية كلها ، فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : "أبشر يا هلال ، قد جعل الله لك فرجا ومخرجا " ، فقال هلال : قد كنت أرجو ذاك من ربي - عز وجل - . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أرسلوا إليها " ، فأرسلوا إليها ، فجاءت ، فتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما ، وذكرهما ، وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا ، فقال هلال : والله يا رسول الله ! لقد صدقت عليها . فقالت : كذب . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لاعنوا بينهما " ، فقيل لهلال : اشهد ، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ، فلما كان في الخامسة ، قيل : يا هلال اتق الله ; فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب . فقال : لا والله لا يعذبني الله عليها ، كما لم يجلدني عليها فشهد في الخامسة : أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين . ثم قيل لها : اشهدي أربع شهادات بالله : إنه لمن الكاذبين . فلما كانت الخامسة ، قيل لها : اتق الله ; فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب . فتلكأت ساعة ، ثم قالت : والله لا أفضح قومي . فشهدت في الخامسة : أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ، وقضى أن

[ ص: 373 ] لا يدعى ولدها لأب ، ولا ترمى هي به ، ولا يرمى ولدها ، ومن رماها أو رمى ولدها ، فعليه الحد ، وقضى أن لا بيت لها عليه ، ولا قوت ; من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق ، ولا متوفى عنها ، وقال : "إن جاءت به أصيهب ، أريسح حمش الساقين ، فهو لهلال ، وإن جاءت به أورق جعدا ، جماليا ، خدلج الساقين ، سابغ الأليتين ، فهو للذي رميت به " ، فجاءت به أورق ، جعدا ، جماليا ، خدلج الساقين ، سابغ الأليتين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لولا الأيمان ، لكان لي ولها
شأن " .

قال عكرمة : فكان بعد ذلك أميرا على مصر ، وكان يدعى لأمه ، وما يدعى لأب .

التالي السابق


* قوله : "أهكذا أنزلت " : هذا تعريض منه بأنه حكم شديد ، ولم يرد رده وإنكاره .

* "ما يقول سيدكم " : قيل : في ذكر السيد إشعار بأن الغيرة من عادات السادات .

* "لا تلمه " : من اللوم .

* "لكاعا " : - بفتح اللام والكاف - : يقال ذلك لمن تستحقر من النساء ; أي : المرأة الساقطة الدنية .

* "تفخذها رجل " : كناية عن الجماع .

* قوله : "أن أهيجه " : من هاجه : إذا أثاره .

* "أحد الثلاثة الذين تيب عليهم " : أي : المذكورون في قوله تعالى : وعلى الثلاثة الذين خلفوا [التوبة : 118] . الآية .

* "فكره " : لكونه قذفا يوجب عليه الحد .

* "إلا أن يضرب " : هكذا في غالب "الأصول " ، و"الترتيب " ، وفي نسخة :

[ ص: 374 ] "الآن يضرب " ، وهو الظاهر ، وكأن معنى "إلا أن يضرب . . . إلخ " : أنه إذا ضرب ، ينقطع الكلام من بين الناس .

* "في تربد جلده " : - براء موحدة ودال مهملة - ; أي : تغيره إلى الغبرة .

* "فسري " : على بناء المفعول - مشددا ومخففا - ; أي : أزيل وكشف .

* "التي توجب عليك العذاب " : أي : إن كنت كاذبا .

* "فتلكأت " : أي : توقفت .

* "والله لا أفضح " : من فضحه ; كمنع ، وكأن هذا قالته في النفس .

* "فعليه الحد " : يدل على أن اللعان مع الولد لا يمنع وجوب الحد على القاذف ، فهذا حجة على من قال : إنه لا حد على قاذف الملاعنة إذا كانت معها ولد ; كعلمائنا الحنفيين .

* "أن لا بيت لها عليه ولا قوت " : هكذا في أصلنا ، وكذلك في "الترتيب" ; أي : لا سكنى لها عليه ، ولا نفقة ، وهذا هو الموافق لرواية أبي داود .

وفي بعض النسخ : "أن لا يثبت لها عليه قوت " .

* "ولا متوفى عنها " : أي : ولا هي متوفى عنها .

* "أصيهب " : تصغير أصهب ، وهو الذي في شعره حمرة يعلوها سواد ، وحمل ها هنا على أن لونه كذلك .

* قوله : "أريسح " : تصغير أرسح - براء وسين وحاء مهملات - ، وهو الخفيف الأليتين ، ويقال له : أرصح - بالصاد بدل السين - .

* "حمش الساقين " : - بحاء مهملة مفتوحة وميم ساكنة وشين معجمة - ; أي : دقيقهما .

[ ص: 375 ] * "أورق " : أي : أسمر ، أو أسود .

* "جعدا " : أي : ليس بسبط الشعر .

* "جماليا " : - بضم جيم وتخفيف ميم وكسر لام وتشديد مثناة تحتية - ; أي : عظيم الخلق ، ضخم الأعضاء ، تام الأوصال ، شبه خلقه بخلق الجمل .

* "خدلج الساقين " : - بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة واللام المشددة وجيم - ; أي : غليظهما .

* "سابغ الأليتين " : الألية - بفتح الهمزة - : لحمة المؤخر من الحيوان ، معلومة ، وهي من ابن آدم المقعدة ، وجمعها أليات - بفتح اللام - ، كذا في "المشارق" ; أي : تامهما وعظيمهما .

* "لكان لي ولها شأن " : في إقامة الحد عليها ، كذا قالوا ، ويلزم أن يقام الحد بالأمارات على من لم يلاعن ، والله تعالى أعلم .

* * *




الخدمات العلمية