الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر صفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم

أخبرنا هبة [الله] بن محمد قال: أخبرنا الحسن بن علي التميمي قال: أخبرنا أحمد بن جعفر قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: أخبرنا أبو سلمة قال: أخبرنا سليمان بن بلال . قال: حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه سمع أنس بن مالك [ينعت رسول الله صلى الله عليه وسلم] يقول:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربعة [من القوم] ، ليس بالقصير ولا بالطويل البائن ، أزهر ليس بالآدم ولا الأبيض الأمهق ، رجل الشعر ، ليس بالسبط ولا بالجعد القطط" . [ ص: 254 ]

أخبرنا عمر بن أبي الحسن البسطامي قال: أخبرنا أحمد بن منصور الخليلي قال: أخبرنا علي بن أحمد القداعي قال: أخبرنا الهيثم بن كليب قال: حدثنا أبو عيسى ، عن يونس ، عن عمر بن عبد الله مولى غفرة قال: حدثني إبراهيم بن محمد من ولد علي بن أبي طالب قال:

كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لم يكن بالطويل الممغط ولا بالقصير المتردد ، كان ربعة من القوم ، لم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط ، كان جعدا رجلا فلم يكن بالمطهم ولا بالمتكلثم ، وكان في وجهه تدوير ، أبيض مشربة [حمرة] أدعج العينين ، أهدب الأشفار ، جليل المشاش والكتد ، [أجرد] ، ذو مسربة ، شثن الكفين والقدمين ، إذا مشى تقلع كأنما ينحط في صبب ، وإذا التفت التفت معا ، بين كتفيه خاتم النبوة ، وهو خاتم النبيين ، أجود الناس صدرا ، وأصدق الناس لهجة ، وألينهم عريكة ، وأكرمهم عشرة ، من رآه بديهة هابه ، ومن خالطه معرفة أحبه .

يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ، صلى الله عليه وسلم . قال الترمذي : سمعت أبا جعفر محمد بن الحسين يقول: سمعت الأصمعي يقول : [ ص: 255 ]

الممغط: الذاهب طولا .

والمتردد: الداخل بعضه في بعض قصرا .

وأما القطط: فشدة الجعودة .

والرجل : الذي في شعره جعودة أي تثن قليل .

والمطهم: المبدن الكثير اللحم .

والمتكلثم: المدور الوجه .

والمشرب: الذي في بياضه حمرة .

والأدعج: الشديد سواد العين .

والأهدب: الطويل الأشفار .

والكتد: مجتمع الكتفين وهو الكاهل .

والمسربة: الشعر الدقيق الذي كأنه قضيب من الصدر إلى السرة .

والشثن: الغليظ الأصابع من الكفين والقدمين .

والتقلع: أن يمشي بقوة . والصبب: الحدور . يقول: انحدرنا في صبب .

وقوله: جليل المشاش: يريد رءوس المناكب .

والعشرة: [الصحبة] والبديهة: المفاجأة .

أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري قال: أخبرنا أبو عمرو بن حيويه قال: أخبرنا أحمد بن معروف قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال:

أخبرنا محمد بن سعد قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا جرير بن حازم قال:

حدثني من سمع الزهري يحدث: أن يهوديا قال: ما كان بقي [شيء] من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة إلا رأيته

[ ص: 256 ]

إلا الحلم ، فإني أسلفته ثلاثين دينارا إلى أجل معلوم ، وتركته حتى إذا بقي من الأجل يوم أتيته فقلت: يا محمد ، اقضني حقي ، فإنكم معاشر بني عبد المطلب مطل . فقال عمر ، يا يهودي الخبيث ، أما والله لولا مكانه لضربت الذي فيه عيناك! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "غفر الله لك يا أبا حفص ، نحن كنا إلى غير هذا منك أحوج إلى أن تكون أمرتني بقضاء ما علي ، وهو إلى أن تكون أعنته في قضاء حقه أحوج" .

قال: فلم يزده جهلي عليه إلا حلما . قال: "يا يهودي ، إنما يحل حقك غدا" . ثم قال: "يا أبا حفص اذهب به إلى الحائط الذي كان سأل أول يوم ، فإن رضيه فأعطه كذا وكذا صاعا ، وزده لما كلت له كذا وكذا صاعا ، فإن لم يرض ذلك فأعطه من حائط كذا وكذا" .

فأتى به الحائط فرضي [تمره] فأعطاه ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [وما أمره من] الزيادة . فلما قبض اليهودي تمره قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، وإنه والله ما حملني على ما رأيتني صنعت يا عمر إلا أني قد كنت رأيت في رسول الله صلى الله عليه وسلم صفته في التوراة كلها إلا الحلم ، فاختبرت حلمه اليوم فوجدته على ما وصف في التوراة ، وإني أشهدك أن هذا التمر وشطر مالي في فقراء المسلمين . قال عمر: أو بعضهم . قال: أو بعضهم ، فأسلم أهل بيت اليهودي كلهم إلا شيخا [كان] ابن مائة سنة فعسا على الكفر
. قال ابن سعد : وحدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك ، عن موسي بن [ ص: 257 ] يعقوب الزمعي ، عن سهل مولى عتيبة : أنه كان نصرانيا ، وكان يتيما في حجر أمه وعمه ، فكان يقرأ الإنجيل ، قال: فأخذت مصحفا لعمي فقرأته حتى مرت بي ورقة: فأنكرت كتابتها [حين مرت بي ، ومسستها بيدي ، قال: فنظرت] فإذا [فصول الورقة] ملصقة ، ففتقتها فوجدت فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم:

لا قصير ولا طويل ، [أبيض ، ذو ضفيرين] بين كتفيه خاتم ، يكثر الاحتباء ، ولا يقبل الصدقة ، ويركب الحمار والبعير ، ويحتلب الشاة ، ويلبس قميصا مرقوعا ، وهو من ذرية إسماعيل اسمه أحمد .

قال: فجاء عمي فرأى الورقة فضربني وقال: مالك وفتح هذه الورقة . فقلت: فيها نعت النبي أحمد [صلى الله عليه وسلم] . وقال: إنه لم يأت بعد .

قال محمد بن سعد : وأخبرنا يزيد بن هارون ، وهاشم بن القاسم قالا: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون قال: أخبرنا هلال ، عن عطاء بن يسار وقال:

سئل عبد الله بن عمرو بن العاص عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة فقال: أجل والله ، إنه موصوف في التوراة بصفته في القرآن ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، [وهي في التوراة: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين] ، أنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليط ولا صخاب في الأسواق ، ولا يدفع السيئة بالسيئة ، ولكن يعفو ويغفر ، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء ، بأن يقولوا لا إله إلا الله ، فيفتح به أعينا عميا ، وآذانا صما ، وقلوبا غلفا . [ ص: 258 ]

قال وهب بن منبه : أوحى الله تعالى إلى شعيا: إني مبعث نبيا أميا ، أفتح به آذانا صما ، وقلوبا غلفا ، وأعينا عميا ، مولدهبمكة ، ومهاجره طيبة ، وملكه بالشام ، عبدي المتوكل المصطفى ، المرفوع الحبيب المجيب ، لا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح ويغفر ، رحيم بالمؤمنين وليس بفظ ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ، ولا متزين بالفحش ، ولا قوال للخنى ، أسدده لكل جميل وأهب له كل خلق كريم ، أجعل السكينة لباسه ، والبر شعاره ، والتقوى ضميره . والحكمة مقوله ، والصدق والوفاء طبيعته ، والعفو [والمغفرة] والمعروف خلقه ، والعدل سيرته ، والحق شريعته ، والهدى إمامه ، والإسلام ملته ، وأحمد اسمه ، أهدي به بعد الضلالة ، وأعلم به بعد الجهالة ، وأكثر به بعد القلة ، وأغني به بعد العيلة ، وأجمع به بعد الفرقة ، وأؤلف به بين قلوب مختلفة ، وأهواء متشتتة وأمم متفرقة . أجعل أمته خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر ، توحيدا لي ، وإيمانا بي ، وإخلاصا لي ، وتصديقا لما جاءت به رسلي وهم دعاة الشمس ، طوبى لتلك القلوب .

التالي السابق


الخدمات العلمية