الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وكذلك ابن سينا لم يذكر في برهانه أن الممكن لا يوجد من نفسه، فلا بد أن يوجد بغيره، فقال الرازي: "لا يلزم من صحة قولنا: ليس الممكن موجودا من ذاته. صحة قولنا: إنه موجود بغيره، لأن بين القسمين واسطة، وهي أن لا يكون وجوده من شيء أصلا، لا من ذاته ولا من غيره، وإذا كان كذلك لم يتم البرهان إلا بذكر هذا القسم وإبطاله: إما بادعاء الضرورة في فساده، أو بذكر البرهان على فساده".

قال: "وهو لم يفعل شيئا من ذلك ". [ ص: 288 ] فيقال له: كون وجود الشيء لا من نفسه ولا من غيره، هو مما يعلم فساده بالضرورة، والأمور المعلومة الفساد بالضرورة لا يجب على كل مستدل تقديرها ونفيها، فإن هذا لا غاية له، وإنما يذكر الإنسان من ذلك ما قد قيل أو خطر بالبال، فأما الذهن الصحيح الذي يعلم بالضرورة فساد مثل هذا التقدير، فهو لا يورده على نفسه، ولا يورده عليه غيره، وإنما يقع الإيراد عند الشك والاشتباه، فإن قدر من الناس من يشك في هذا احتاج مثل هذا إلى البيان، وقد قلنا: إن الأسولة السوفسطائية ليس لها حد محدود ولا عد معدود.

وهذا نظير قول القائل: إن المحدث الذي كان بعد أن لم يكن لم يحدث نفسه، وهذا كله من العلوم البديهية الضرورية الفطرية التي هي من أبين الأمور عند العقلاء.

ولو احتاج المستدل أن يذكر من الأقسام ما يخطر ببال كل أحد، وإن كان فساده معلوما بالضرورة، لقال: الممكن إذا لم يوجد بنفسه فإما أن يوجد بموجد أو بغير موجد، وإذا وجد بموجد، فذلك الموجد إما أن يوجده وهو معدوم، أو يوجده وهو موجود.

ثم يريد أن يبطل الثاني بأن الموجد لا يوجد وهو معدوم، كما فعل ذلك طائفة من أهل الكلام، وإذا أراد أن يبطل ذلك قال: والمعدوم لا يكون موجدا، لأن العدم لا يتميز فيه شيء عن شيء، والموجد [ ص: 289 ] لا بد أن يتميز عن غيره، وإذا قيل: المعدوم يتميز فيه شيء عن شيء، على قول من يقول: المعدوم شيء، تبين أن المعدوم ليس بشيء، فيكون إثبات وجود الصانع موقوفا على إبطال قول هؤلاء، كما فعل ذلك طائفة من أهل الكلام.

ومن المعلوم أن إبطال هذا أدق من إبطال كون الشيء الذي لا يكون وجوده من نفسه يكون موجودا لا بنفسه ولا بغيره، إذ كان من المعلوم البين لكل أحد أن ما لم يوجد بنفسه، فلا بد أن يكون وجوده بغيره، وأما تقدير موجود لم يوجد بنفسه ولا بغيره فهو ممتنع، فإنه لا يعنى بكونه موجودا بنفسه أن نفسه أوجدته، إذ كان هذا معلوم الامتناع، بل يعنى أنه لا يحتاج في وجوده إلى غيره، بل وجوده واجب بنفسه، فهو موجود أزلا وأبدا، فظهور صحة هذا الكلام وبطلان نقيضه أبين مما يستدل به عليه، بل يمكن هنا إيراد أسولة أخرى يطول بها الكلام.

التالي السابق


الخدمات العلمية