الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ولو قال هذا ابني [ ص: 437 ] وثبت على ذلك عتق ) ومعنى المسألة إذا كان يولد مثله لمثله ، فإن كان لا يولد مثله لمثله ذكره بعد هذا ; ثم إن لم يكن للعبد نسب معروف يثبت نسبه منه لأن ولاية الدعوة بالملك ثابتة والعبد محتاج إلى النسب فيثبت نسبه منه ، وإذا ثبت عتق لأنه يستند النسب إلى وقت العلوق ، وإن كان له نسب معروف لا يثبت نسبه منه للتعذر ويعتق إعمالا للفظ في مجازه عند تعذر إعماله بحقيقته ، ووجه المجاز نذكره من بعد إن شاء الله تعالى ( ولو قال هذا مولاي أو يا مولاي عتق ) أما الأول فلأن اسم المولى [ ص: 438 ] وإن كان ينتظم الناصر وابن العم والموالاة في الدين والأعلى والأسفل في العتاقة إلا أنه تعين الأسفل فصار كاسم خاص له ، وهذا لأن المولى لا يستنصر بمملوكه عادة وللعبد نسب معروف فانتفى الأول . والثاني والثالث نوع مجاز ، والكلام للحقيقة والإضافة إلى العبد تنافي كونه معتقا فتعين المولى الأسفل فالتحق بالصريح ، وكذا إذا قال لأمته : هذه مولاتي لما بينا ، ولو قال : عنيت به المولى في الدين أو الكذب يصدق فيما بينه وبين الله تعالى ولا يصدق في القضاء لمخالفته الظاهر ، وأما الثاني فلأنه لما تعين الأسفل مرادا التحق بالصريح وبالنداء باللفظ الصريح يعتق بأن قال : يا حر يا عتيق فكذا النداء بهذا اللفظ . وقال زفر رحمه الله لا يعتق في الثاني لأنه يقصد به الإكرام بمنزلة قوله يا سيدي يا مالكي . قلنا : الكلام لحقيقته وقد أمكن العمل به ، بخلاف ما ذكره لأنه ليس فيه ما يختص بالعتق [ ص: 439 ] فكان إكراما محضا .

التالي السابق


( قوله وثبت على ذلك ) قيل هذا قيد اتفاقي لا معتبر ولذا لم يذكره في المبسوط . وذكر في الينابيع الثبات ليس بلازم . وفي النهاية رأيت بخط شيخي وفي شرح القدوري لأبي الفضل أراد بقوله وثبت على ذلك أنه لم يدع به الكرامة والشفقة حتى لو ادعى ذلك يصدق . وفي أصول فخر الإسلام : الثبات على ذلك شرط لثبوت النسب لا العتق ، ويوافقه ما في المحيط وجامع شمس الأئمة والمجتبى : هذا ليس بقيد حتى لو قال بعد ذلك أوهمت أو أخطأت يعتق ولا يصدق ولو قال لأجنبية يولد مثلها لمثله هذه بنتي ثم تزوجها بعد ذلك جاز أصر على ذلك أم لا . قالوا : هذا في معروفة النسب ، أما مجهولة النسب إن دام على ذلك ثم تزوجها لم يجز وإلا جاز . قال في المجتبى عرف بهذا أن الثبات شرط الفرقة وامتناع جواز النكاح لا العتق ، وإنما شرط الثبات لثبوت النسب لا العتق لأن ثبوت النسب يصح الرجوع عن الإقرار به دون العتق على ما سمعت من التزوج بمن أقر ببنتيها . وفي مختصر الكرخي : إذا أقر في مرضه بأخ من أبيه وأمه وابن ابن أو بعم وصدقه المقر له ثم أنكره المريض وقال ليس بيني وبينه قرابة ثم أوصى بماله لرجل ولا وارث له فإن المال كله للموصى له ولا شيء للمقر له لأن المريض جحد ما أقر به من ذلك ولم يكن إقراره لازما ، ثم إذا قال هذا ابني هل تصير أمه أم ولد له إذا كانت في ملكه ؟ قيل لا سواء كان الولد مجهول النسب أو معروف النسب ، وقيل تصير أم ولد في الوجهين ، وقيل : إن كان معروف النسب حتى لم يثبت نسبه منه لا تصير أم ولد له ، وإن كان مجهوله حتى ثبت نسبه منه صارت أم ولد له وهذا أعدل .

( قوله إذا كان يولد مثله لمثله ) يعني إذا كان مثله في السن يجوز شرعا أن يكون ابنا لمثل المدعي في السن هذا هو المراد . وحاصله إذا كان سنه يحتمل كونه ابنه لا المشاكلة حتى لو كان المدعي أبيض ناصعا والمقول له أسود حالك أو بالقلب وسنه يحتمل [ ص: 438 ] كونه ابنه ثبت النسب ( قوله : وإن كان ينتظم الناصر ) قال تعالى { ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم } وابن العم كما ذكر في قوله تعالى حكاية عن زكريا { وإني خفت الموالي من ورائي } .

( قوله فتعين الأسفل فالتحق بالصريح ) أورد عليه شارح أنه مشترك استعمل في معان فلا يكون مكشوف المراد فلا يكون صريحا فلا بد من النية . وقولهم المولى لا يستنصر بمملوكه عادة ممنوع بل تحصل له النصرة بهم . على أنا نقول : الصريح يفوق الدلالة ، والمتكلم ينادي أنا عنيت الناصر بلفظ المولى وله دلالة عليه حقيقة ، وهم يقولون : دلالة الحال من كلامك تدل على أن المراد الأسفل ولا تعتبر إرادة الناصر ونحوه وهذا في غاية المكابرة ا هـ .

والجواب أن قوله استعمل في معان فلا يكون مكشوف المراد إن أراد دائما منعناه لجواز أن ينكشف المراد من المشترك في بعض الموارد الاستعمالية لاقترانه بما ينفي غيره اقترانا ظاهرا كما هو فيما نحن فيه ، ومنعه أن المولى لا يستنصر بعبده لا يلائم ما أسنده به من قوله تحصل النصرة بهم لأن المراد أنه إذا حزبه أمر لا يستدعي للنصر عبده بل بني عمه وإن كان العبيد والخدم ينصرونه لكنه يأنف من دعائهم عادة وندائهم لذلك فأين دعاؤه إياهم لذلك من كونهم ينصرونه .

وأما قوله الصريح يفوق الدلالة فكأنه أراد الكناية فطغى قلمه فنقول هذا الصريح وهو قوله أردت الناصر بلفظ المولى إنما قاله بعد قوله عما هو ملحق بالصريح في إرادته العتيق فأثبت حكمه ذلك ظاهرا ، وهذا الصريح بعده رجوع عنه فلا يقبله القاضي والكلام فيه ، ونحن نقول فيما بينه وبين الله سبحانه وتعالى لو أراد الناصر لم يعتق فأين المكابرة . واعلم أن في المسألة خلافا ذهب بعض المشايخ أنه لا يعتق في هذا مولاي إلا بالنية : وأنه بين الصريح والكناية ( قوله وقال زفر : لا يعتق في الثاني ) وهو يا مولاي إلا بالنية ، وبقوله قال الشافعي ومالك وأحمد لأنه يراد به الإكرام بمنزلة قوله يا سيدي يا مالكي أفاد أنهما من الكنايات بالاتفاق ، فإذا قال لعبده ذلك ناويا للعتق عتق وهكذا في يا سيد ، وقد قيل : إنه يعتق بهما وإن لم ينو ، وقيل إذا لم ينو عتق في يا سيدي لا في يا سيد . والمختار أنه لا يعتق فيهما إلا بالنية .

( قوله بخلاف ما ذكر ) وهو يا سيدي يا مالكي لأنه ليس فيه ما يختص بالعتق في الحال ولا [ ص: 439 ] بعد العتق لأنه لا يصير سيدا بالعتق لسيده . والوجه أن حقيقته متعذرة لفرض أن المتكلم حر غير عبد فتعين المجاز ، ولم يلزم خصوص المجازي الذي هو العتق لجواز أن يريد مجازيا آخر هو الإكرام فلا يتعين لأحدهما إلا بالنية ، فقلنا إذا نوى بيا سيدي العتق عتق ، أما إذا لم تكن له نية صير إلى الأخف الذي هو الإكرام لأن زوال الملك لا يثبت مع الاحتمال بلا نية ، بخلاف يا مولاي لأنه بحقيقته في الأسفل يثبت العتق بعد انتفاء الحقائق الآخر بالنافي .




الخدمات العلمية