الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فإذا ثبت جواز التحري في ثوبين ، فكذلك في الكثير من الثياب سواء كان الطاهر أكثر من النجس ، أو النجس أكثر من الطاهر ، فإذا بان له بالاجتهاد والتحري طهارة أحدهما صلى فيه ما شاء من الصلوات ، ولم يلزمه إعادة الاجتهاد عند كل صلاة ، فإن قيل : فهلا وجب عليه إعادة الاجتهاد عند كل صلاة كالقبلة ؟ قيل : الفرق بينهما أن القبلة في موضعها لا تنتقل في أحوالها ويكون مهب الشمال في وقت قبلة له ، ومهب الجنوب في وقت قبلة له ، وقد يكون ضدهما في وقت قبلة له لتغيير أحواله وتنقل أماكنه فلأجل ذلك وجب عليه تكرار الاجتهاد لتكون الصلاة والثوب الطاهر محكوم له بالنجاسة في كل زمان ، فلأجل ذلك لم تلزمه إعادة الاجتهاد ، فلو أعاد الاجتهاد عند صلاته في الثوبين ثانية فبان له نجاسة ما صلى فيه ، وطهارة ما تركه ، فإن بان له علم ذلك قطعا من طريق اليقين أعاد صلاته الأولى ، لأن العلم القاطع قاض على العلم الظاهر فجوز له الصلاة في الثوب الثاني ليقين طهارته ، وإن علم نجاسته من طريق الاجتهاد ، والتحري لم يعد ما صلى فيه ولم يجز أن يستأنف الصلاة فيه ، لأن اجتهاده الثاني قد أثبت له حكم النجاسة ، وإذا كان كذلك فمذهب الشافعي : أنه يصلي عريانا ، وعليه الإعادة ، وعلى مذهب أبي العباس بن سريج يصلي في الثاني ، وليس عليه إعادة على نحو ما قاله في الإناءين ، وقد تقدم الكلام معه ، وعلى مذهب [ ص: 246 ] المزني : يصلي في أحدهما ويعيد في الآخر على أصله المتقدم ، فلو لم يبن له باجتهاده الطاهر من النجس ، وكان الشك باقيا فمذهب الشافعي أنه يصلي عريانا ويعيد إذا وجد ثوبا طاهرا ، ومذهب المزني ، وقد ساعده بعض أصحابنا في هذا الموضع عند بقاء الإشكال أنه يصلي في أحدهما ، ويعيد في الآخر ، ولو فعل ذلك لأجزاه على مذهب الشافعي أيضا وإن كان لا يوجبه عليه .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية