الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              ( وفي ) إبطال ( السمع دية ) إجماعا ولأنه أشرف الحواس حتى من البصر عند أكثر الفقهاء ؛ لأنه المدرك للشرع الذي به التكليف وكفى بهذا تميزا ولأن المعرفة به من سائر الجهات وفي كل الأحوال والبصر يتوقف على جهة المقابلة وتوسط شعاع أو ضياء وزعم المتكلمين أشرفيته على السمع بقصر إدراكه على الأصوات وذلك يدرك الأجسام والألوان والهيئات يرد بأن كثرة هذه التعلقات فوائدها دنيوية لا معول عليها ؛ ولذا تجد من خلق أصم كالحجر الملقى ، وإن تمتع في نفسه بمتعلقات بصره والأعمى في غاية الكمال الفهمي والعلم الذوقي ، وإن نقص تمتعه الدنيوي ( و ) في إزالته ( من أذن نصف ) من الدية لا لتعدده بل ؛ لأن ضبط النقص بالمنفذ أولى وأقرب منه بغيره ( وقيل قسط النقص ) من الدية ورد بأن السمع واحد كما تقرر بخلاف البصر فإنه متعدد بتعدد الحدقة جزما ومحل وجوب الدية هنا حيث لم يشهد خبيران ببقائه في مقره ولكن ارتتق داخل الأذن وإلا فحكومة دون الدية [ ص: 475 ] إن لم يرج فتقه وإلا بأن رجي في مدة يعيش إليها غالبا كما في نظائره ، وإن أمكن الفرق بأنه زال في تلك لا هذه فلا شيء ( ولو أزال أذنيه وسمعه فديتان ) ؛ لأنه ليس في جرم الأذنين بل في مقرهما من الرأس كما مر ( ولو ادعى ) المجني عليه ( زواله و ) أنكر الجاني اختبر بنحو صوت مزعج مهول متضمن للتهديد في غفلاته حتى يعلم صدقه ، أو كذبه

                                                                                                                              ( فإن انزعج لصياح ) أو نحو رعد ( في نوم وغفلة فكاذب ) ظنا بمقتضى هذه القرينة ولكن يحتمل الموافقة فلذا يحلف الجاني أنه باق ، ولا يكفيه أنه لم يزل من جنايتي ؛ لأن التنازع في ذهابه وبقائه لا في ذهابه بجنايته أو جناية غيره والأيمان لا يكتفي فيها باللوازم ( وإلا ) ينزعج ( حلف ) لاحتمال تجلده ، ولا بد من تعرضه في حلفه لذهاب سمعه من جناية هذا ( وأخذ دية ) وينتظر عوده إن شهد به خبيران بعد مدة يظن أنه يعيش إليها وكذا البصر ونحوه كما مر ( وإن نقص ) السمع من الأذنين ( فقسطه ) أي النقص من الدية ( إن عرف ) قدره منه ، أو من غيره بأن عرف ، أو قال إنه كان يسمع من كذا فصار يسمع من نصفه ويحلف في قوله ذلك ؛ لأنه لا يعرف إلا منه ( وإلا ) يعرف قدر النسبة ( فحكومة ) تجب فيه ( باجتهاد قاض ) لتعذر الأرش ، ولا تسمع دعوى النقص هنا وفي جميع ما يأتي إلا إن عين المدعي قدر النقص وطريقه أن يعين المتيقن نعم لو ذكر قدرا فدل الامتحان على أكثر منه فيظهر أنه لا يجب له إلا ما ذكره ما لم يجدد دعوى في الثاني ويطلبه ( وقيل يعتبر سمع قرنه ) بفتح فسكون ، وهو من سنه كسنه ؛ لأنه أقرب ( في صحته ويضبط التفاوت ) بين سمعيهما ويؤخذ بنسبته من الدية ويرد بأن الانضباط في ذلك بعيد فلم يعول عليه ( وإن نقص ) السمع ( من أذن سدت وضبط منتهى سماع الأخرى [ ص: 476 ] ثم عكس ووجب قسط التفاوت ) من الدية فإن كان بين مسافتي السامعة والأخرى النصف فله ربع الدية ؛ لأنه أذهب ربع سمعه فإن لم ينضبط فحكومة كما علم مما مر .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله فوائدها دنيوية ) هذا ممنوع فإنه يترتب على إدراكها التفكر في مصنوعات الله تعالى البديعة العجيبة المتفاوتة وقد يكون نفس إدراكها طاعة كمشاهدة نحو الكعبة والمصحف وقد يترتب على الإدراك إنقاذ محترم من مهلك إلى غير ذلك مما لا يحصى وأيضا فمن فوائد الإبصار مشاهدة ذاته تعالى في الآخرة ، أو في الدنيا أيضا كما وقع له صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ولا أجل من ذلك ، فليتأمل ( قوله ورد إلخ ) فيه ما لا يخفى فتأمله .

                                                                                                                              ( قوله وإلا فحكومة إلخ ) أخذ من ذلك أنه لو جنى على عينه فصار لا يبصر لكن شهد أهل الخبرة ببقاء لطيفة البصر لكن نزل بالجناية ما يمنع [ ص: 475 ] من نفوذها لم تجب الدية بل الحكومة وقياس ذلك وجوب الدية في قلع العينين حينئذ ؛ لأن فيه إزالة تلك اللطيفة فليراجع بكشف بكري ( قوله فلا شيء ) ظاهره عدم وجوب حكومة فلم ذلك ( قوله ولو ادعى المجني عليه زواله وأنكر الجاني اختبر إلخ ) قال في شرح الروض ، ولا بد في امتحانه من تكرره مرة بعد أخرى إلى أن يغلب على الظن صدقه ، أو كذبه . ا هـ وقد يفيد ذلك قول الشارح حتى يعلم إلخ يجعل حتى بمعنى إلى دون [ ص: 476 ] التعليل ( تنبيه ) لو أعشاه بأن جنى عليه إلخ قال في الروض وفي الإعشاء بآفة سماوية الدية ومقتضى كلام [ ص: 477 ] التهذيب نصفها . ا هـ .



                                                                                                                              حاشية الشرواني

                                                                                                                              ( قوله إجماعا ) إلى قوله يرد في المغني إلا قوله ؛ لأنه المدرك إلى ؛ لأن المعرفة وإلى قول المتن وفي ضوء كل عين في النهاية ( قوله من سائر الجهات ) أي من جميع الجهات الست ( قوله وفي كل الأحوال ) أي من النور والظلمة ( قوله والبصر يتوقف ) أي الإدراك به ( قوله على السمع ) أي منه ( قوله وذلك ) أي البصر ( قوله يرد إلخ ) خبر وزعم المتكلمين إلخ .

                                                                                                                              ( قوله فوائدها دنيوية ) قال سم هذا ممنوع فإنه يترتب على إدراكها التفكر في مصنوعات الله تعالى البديعة العجيبة المتفاوتة وقد يكون نفس إدراكها طاعة كمشاهدة نحو الكعبة والمصحف إلى آخر ما ذكره من الأمثلة ، ولا يخفى أن ما ذكره لا يتوجه منعا على الشارح كابن حجر ؛ لأنهما إنما ادعيا أن أكثر متعلقات البصر دنيوية وهذا مما لا خفاء فيه ولم يدعيا أن جميعها دنيوي حتى يتوجه عليهما النقص بهذه الجزئيات رشيدي أقول هذا الجواب إنما يظهر لو كانا عبرا بأن أكثر إلخ وأما على ما في نسخهما من التعبير بأن كثرة إلخ فلا فإن معناه المتبادر أن هذه التعلقات الكثيرة جميعها فوائد دنيوية ( قوله والأعمى إلخ ) عطف على من خلق إلخ ويحتمل على أصم .

                                                                                                                              ( قوله من الدية ) إلى قوله ويحلف في المغني إلا قوله ، وإن أمكن إلى فلا شيء وقوله ولا يكفيه إلى المتن وقوله ، أو من غيره وقوله عرف ، أو قال إنه ( قوله لا لتعدده ) أي السمع فإنه واحد وإنما التعدد في منفذه مغني ( قوله منه بغيره ) أي من الضبط بغير المنفذ ( قوله ورد بأن السمع إلخ ) فيه ما لا يخفى فتأمله سم أي ؛ لأن الظاهر من هذا القيل أنه مبني على أن السمع واحد فلا يتوجه عليه الرد بأن السمع واحد رشيدي ( قوله بأن السمع واحد ) أي وإنما التعدد في منفذه ( قوله ومحل وجوب الدية إلخ ) عبارة المغني تنبيه لا بد في وجوب الدية من تحقق زواله فلو قال أهل الخبرة يعود وقدروا له مدة لا يستبعد أن يعيش إليها انتظرت فإن استبعد ذلك ، أو لم يقدروا له مدة أخذت الدية في الحال ، وإن قالوا لطيفة السمع باقية في مقرها ولكن ارتتق منفذ السمع والسمع باق وجبت فيه حكومة إن لم يرج فتقه لا دية لبقاء السمع فإن رجي لم يجب شيء ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله حيث لم يشهد إلخ ) عبارة النهاية حيث تحقق زواله فلو قال خبيران إلخ ( قوله ولكن ارتتق ) أي انسد وقوله وإلا أي بأن شهد خبيران ببقائه إلخ ع ش ( قوله وإلا فحكومة ) أخذ من ذلك أنه لو جنى على عينيه فصار لا يبصر لكن شهد أهل الخبرة ببقاء لطيفة البصر لكن نزل بالجناية ما يمنع من نفوذها لم تجب الدية بل الحكومة وقياس ذلك وجوب الدية في قلع العينين حينئذ ؛ لأن فيه إزالة تلك اللطيفة فليراجع بكشف بكري سم ( قوله دون الدية ) أي لا الدية نهاية [ ص: 475 ] قوله فتقه ) أي زوال الارتتاق ع ش ( قوله : وإن أمكن الفرق إلخ ) وينبني على الفرق لو قيل به أنه لا يجب هنا شيء مطلقا من غير تقييد بالرجاء في مدة يعيش إليها غالبا رشيدي ( قوله بأنه زال ) أي المعنى ( قوله في تلك ) أي النظائر وقوله لا هذه أي لطيفة السمع ( قوله فلا شيء ) ظاهره عدم وجوب حكومة فلم ذلك سم على حج وقد يقال إن سببه أن اللطيفة لما كانت باقية نزلت الجناية على محلها منزلة لطمة برأسه لم تؤثر شيئا ع ش ( قوله في مقرهما ) الأولى الإفراد ( وقوله كما مر ) أي آنفا ( قول المتن زواله ) أي السمع من أذنيه مغني ( قوله اختبر بنحو صوت إلخ ) قال في شرح الروض ، ولا بد في امتحانه من تكرره مرة بعد أخرى إلى أن يغلب على الظن صدقه ، أو كذبه انتهى وقد يفيده قول الشارح حتى يعلم إلخ بجعل حتى بمعنى إلى دون التعليل سم وقد يقال إن الاختبار يفيده مطلقا إذ الاختبار يستلزم التكرار عبارة المغني بدله ويكرر ذلك من جهات وفي أوقات الخلوات حتى يتحقق زوال السمع بها . ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله الموافقة ) أي الارتتاق ( قوله : لأن التنازع في ذهابه إلخ ) قد يقال إن هذا بحسب الصورة واللفظ فقط وإلا فالمقام في زوال سمعه بجنايته فكأن المجني عليه يقول زال سمعي بجنايتك والجاني يريد دفع ذلك عنه بيمينه فكان ينبغي الاكتفاء منه بأن سمعه لم يزل بجنايته ع ش أقول : ويؤيده قول الشارح الآتي ، ولا بد إلخ ( قوله باللوازم ) يتأمل وجه اللزوم هنا ( قوله ولا بد من تعرضه إلخ ) أي لجواز ذهابها بغير جنايته مغني ( قوله من جناية هذا ) أي هذا الجاني ( قوله وينتظر عوده إلخ ) عبارة المغني ثم إذا ثبت زواله قال الماوردي يراجع عدول الأطباء فإن نفوا عوده وجبت الدية في الحال ، وإن جوزوا عوده إلى مدة معينة يعيش إليها انتظرت فإن عاد فيها لم تجب الدية وإلا وجبت ( تنبيه )

                                                                                                                              لو ادعى الزوال من إحدى الأذنين حشيت السليمة وامتحن في الأخرى على ما سبق . ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله إن شهد إلخ ) عبارة النهاية إن قدر خبيران لذلك مدة يغلب على الظن بقاؤه إليها فإن عاد فيها لم تجب الدية وإلا وجبت . ا هـ قال ع ش قوله وإلا وجبت أي ، وإن لم يقدر خبيران بأن قالا لا يعود ، أو ترددا في العود وعدمه ، أو قالا يحتمل عوده من غير تقدير مدة ، أو فقدا في محل الجناية ، ولم يحضرهما الجاني . ا هـ أي ، أو قدرا مدة ، ولم يعد فيها كما مر عن المغني ، أو مات قبل فراغها كما مر في الشارح ( قوله قدره إلخ ) عبارة المغني قدر ما ذهب بأن كان يسمع من مكان كذا فصار يسمع من قدر نصفه مثلا وطريق معرفة ذلك أن يحدثه شخص ويتباعد إلى أن يقول لا أسمع فيعلي الصوت قليلا فإن قال أسمع عرف صدقه ثم يعمل كذلك من جهة أخرى فإن اتفقت المسافتان ظهر صدقه ثم ينسب ذلك من مسافة سماعه قبل الجناية إن عرف ويجب بقدره من الدية فإن كان التفاوت نصفا وجب نصف الدية

                                                                                                                              ثم قال في شرح ويضبط التفاوت فلو قال المجني عليه أنا أعرف قدر ما ذهب من سمعي قال الماوردي صدق بيمينه ؛ لأنه لا يعرف إلا من جهته كالحيض ولعله فيما إذا لم يمكن معرفته بالطريق المتقدم . ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله منه إلخ ) متعلق بعرف والضمير للمجني عليه وقوله بأن عرف ، أو قال نشر مرتب والضمير فيهما للمجني عليه ( قوله أنه كان إلخ ) يتنازع فيه الفعلان ( قول المتن وقيل يعتبر سمع قرنه إلخ ) كأن يجلس القرن بجنبه ويناديهما رفيع الصوت من مسافة لا يسمعه واحد منهما ثم يقرب المنادى شيئا فشيئا إلى أن يقول قرنه سمعت ثم يضبط ذلك الموضع ثم يرفع صوته من هذا الموضع شيئا فشيئا حتى يقول المجني عليه سمعت [ ص: 476 ] ا هـ .

                                                                                                                              ( قول المتن ثم عكس ) بأن تسد الصحيحة ويضبط منتهى سماع الناقصة مغني ( قوله من الدية ) إلى التنبيه في النهاية وإلى قوله على ما في الروض في المغني إلا قوله لما مر إلى المتن ( قوله مما مر ) أي آنفا في قول المصنف وإلا فحكومة .




                                                                                                                              الخدمات العلمية