الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
إهانة الحجاج لأنس وما نجم عنها

حدثني محمد بن القاسم الأنباري قال حدثني أبي قال حدثنا أحمد بن عبيد قال حدثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن عوانة بن الحكم الكلبي قال : دخل أنس بن مالك على الحجاج بن يوسف ، فلما وقف بين يديه سلم عليه فقال يا أنيس ، يوم لك مع علي ، ويوم لك مع ابن الزبير ، ويوم لك مع ابن الأشعث ، والله لأستأصلنك كما تستأصل الشأفة ، ولأقلعنك كما تقلع الصمغة ، فقال أنس : إياي يعني الأمير أصلحه الله؟ فقال : إياك سك الله سمعك ، قال أنس : إنا لله وإنا إليه راجعون ، والله لولا الصبية الصغار ما [ ص: 490 ] باليت أي قتلة قتلت ولا أي ميتة مت . ثم خرج من عند الحجاج فكتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك ، فلما قرأ عبد الملك كتاب أنس استشاط غضبا وصفق عجبا ، وتعاظمه ذلك من الحجاج . وكان كتاب أنس بن مالك إلى عبد الملك بن مروان :  بسم الله الرحمن الرحيم إلى عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين من أنس بن مالك ، أما بعد ، فإن الحجاج قال لي هجرا ، وأسمعني نكرا ، ولم أكن لذلك أهلا ، فخذ لي على يديه فإني أمن بخدمتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتي إياه ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته .

فبعث عبد الملك إلى إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر ، وكان مصادقا للحجاج ، فقال له : دونك كتابي هذين فخذهما واركب البريد إلى العراق ، فابدأ بأنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فادفع كتابه إليه وأبلغه مني السلام وقل له : يا أبا حمزة قد كتبت إلى الحجاج الملعون كتابا إذا قرأه كان أطوع لك من أمتك . وكان كتاب عبد الملك إلى أنس بن مالك : بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت من شكاتك للحجاج ، وما سلطته عليك ولا أمرته بالإساءة إليك ، فإن عاد لمثلها فاكتب إلي بذلك أنزل به عقوبتي ، وتحسن لك معونتي ، والسلام ، فلما قرأ أنس بن مالك كتابه وأخبر برسالته قال : جزى الله أمير المؤمنين عني خيرا وعافاه وكافأه عني بالجنة ، فهذا كان ظني به والرجاء منه . فقال إسماعيل بن عبد الله لأنس : يا أبا حمزة إن الحجاج عامل أمير المؤمنين وليس بك عنه غنى ولا بأهل بيتك ، ولو جعل لك في جامعة ثم دفع إليك لقدر أن يضر وينفع ، فقاربه وداره ، فقال أنس : أفعل إن شاء الله . ثم خرج إسماعيل من عنده فدخل على الحجاج ، فلما رآه الحجاج قال : مرحبا برجل أحبه وكنت أحب لقاءه ، فقال له إسماعيل : وأنا والله كنت أحب لقاءك في غير ما أتيتك به ، قال : وما أتيتني به؟ قال : فارقت أمير المؤمنين وهو أشد الناس عليك غضبا ومنك بعدا ، قال : فاستوى الحجاج جالسا مرعوبا فرمى إليه إسماعيل بالطومار ، فجعل الحجاج ينظر فيه مرة ويعرق وينظر إلى إسماعيل أخرى ، فلما نفضه قال : قم بنا إلى أبي حمزة نعتذر إليه ونترضاه ، فقال له إسماعيل : لا تعجل ، قال : كيف لا أعجل وقد أتيتني بآبدة؟ وكان في الطومار : إلى الحجاج بن يوسف : بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى الحجاج بن يوسف : أما بعد ، فإنك عبد طمت بك الأمور فسموت فيها وعدوت طورك ، وجاوزت قدرك ، وركبت داهية إدا ، وأردت أن تبورني ، فإن سوغتكها مضيت قدما ، وإن لم أسوغها رجعت القهقرى ، فلعنك الله عبدا أخفش العينين منقوص الجاعرتين ، أنسيت كاسب آبائك بالطائف وحفرهم الآبار ونقلهم الصخور على ظهورهم في المناهل يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب؟! والله لأغمزنك غمز الليث الثعلب والصقر الأرنب ، وثبت على [ ص: 491 ] رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا فلم تقبل له إحسانه ولم تجاوز له إساءته ، جرأة منك على الرب عز وجل ، واستخفافا منك بالعهد ، والله لو أن اليهود والنصارى رأت رجلا خدم عزير بن عزرة وعيسى ابن مريم لعظمته وشرفته وأكرمته ، فكيف وهذا أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم خدمه ثماني سنين يطلعه على سره ويشاوره في أمره ، ثم هو مع هذا بقية من بقايا أصحابه ، فإذا قرأت كتابي هذا فكن أطوع له من خفه ونعله ، وإلا أتاك مني سهم مثكل بحتف قاض و لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون

تفسير بعض المفردات

قال القاضي : قول الحجاج : سك الله سمعك يقال : استكت الأذنان واصطكت الركبتان . وقوله للحجاج : يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب كانت المرأة تستعمل عجم الزبيب لتضيق قبلها في ما ذكر بعض أهل العلم وهو حبه ، والنوى كله يقال له عجم واحدته عجمة ، قال الأعشى :


مقادك بالخيل أرض العدو وجذعانها كلقيط العجم

قيل : صارت من صلابتها مثل النوى . وقال أبو عبيدة : عجم عجما أي ليك لأنه نوى الفم فهو أصلب ليس بنوى خل ولا نبيذ فهو أصلب وأملس ، وإنما أراد صلابتها وضمرها ، ولقيط أراد ملقوط مثل جريح ومجروح ، ويروى كلفيظ العجم أي ملفوظ ملقى .

التالي السابق


الخدمات العلمية