الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
بين دعبل والمطلب الخزاعي

حدثنا محمد بن الصولي قال حدثني عون بن محمد قال لما هجا دعبل المطلب بن عبد الله بن مالك الخزاعي فقال :


اضرب ندى طلحة الطلحات متئدا ببخل مطلب فينا وكن حكما     تخرج خزاعة من لؤم ومن كرم
فلا تعد لها لؤما ولا كرما

ويروى تسلم خزاعة . فدعاه بعد ذلك المطلب ، فلما دخل إليه قال : والله لأقتلنك لهجائك لي ، فقال : له فأشبعني إذن ولا تقتلني جائعا ، فقال : قبحك الله هذا أهجى من الأول ، ثم وصله فحلف أنه يمدحه ما عاش ، فقال فيه :


سالت الندى لا عدمت الندى     وقد كان منا زمانا غرب
فقلت له طال عهد اللقاء     فهل غبت بالله أم لم تغب
فقال بلى لم أزل غائبا     ولكن قدمت مع المطلب

 قال القاضي : في هذا الخبر ما دل على دهاء دعبل ولطف حيلته وأنبأ عن ذكاء المطلب ودقة فطنته . وقد روي مثل هذا عن معن بن زائدة وأتي بجماعة قد عاثوا في عمله فأمر بقتلهم ، فقال له أحدهم : أعيذك بالله أن تقتلنا عطاشا فأمر بإحضار ماء يسقونهم ، فأحضر ، فلما شربوا قال : أيها الأمير لا تقتل أضيافك ، فقال : أولى لك ، وأمر بتخليتهم .

[ ص: 492 ]

حدثنا محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا عون قال : أنشدني دعبل لنفسه يرثي المطلب :


مات الثلاثة لما مات مطلب     مات الحياء ومات الرغب والرهب
لله أربعة قد ضمها كفن     أضحى يعزى بها الإسلام والعرب
يا يوم مطلب أصبحت أعيننا     دمعا يدوم لها ما دامت الحقب
هذي خدود بني قحطان قد لصقت     بالترب منذ استوى من فوقك الترب

جمع فعلة

قال القاضي : قول دعبل في شعره في الخبر المتقدم : اضرب ندى طلحة الطلحات أسكن اللام في قوله الطلحات للضرورة وحقها التحريك ، والعرب تقول طلحة الطلحات ، وحمزة وحمزات ، وتمرة وتمرات ، وجمرة وجمرات ، ومثله الركعات والسجدات بفتح عين الفعل من فعلات في الأسماء من هذا الباب ، ما لم تكن العين واوا أو ياء أو ألفا . وقد أسكن الراجز العين من الاسم في الباب الذي وصفت فقال :


عل صروف الدهر أو دولاتها     تديلنا اللمة من لماتها

فتستريح النفس من زفراتها

هكذا روي عل صروف بالجر وله علة مختلف فيها ، فمن الناس من زعم أن إحدى لامي عل التي في معنى لعل حذفت وأن اللام التي في الظرف هي اللام الخافضة ففتحها لغة ، وأكثر أهل العلم ينكرون هذا التأويل ويذهبون إلى أن خفض ما يلي لعل لغة من لغات العرب .

وما كان من الأسماء في هذا الباب عينه مدغمة في لامه لتجانسهما مثل حبة وحبات وعمة وعمات فإنه ساكن ، وكذلك الألف مثل دارة ودارات ، وتارة وتارات ، وبابة وبابات ، لأن الألف لا تكون إلا ساكنة ، ومتى ما ريم تحريكها انقلبت عن جنسها إلى الهمزة . فأما الواو والياء كجوزة ولوزة وعورة وغيبة وبيضة وربطة ، فالمستفيض من لغة العرب فيه الإسكان للتخفيف ولئلا يلزم القلب فيه الواو وياء لتحركهما وانفتاح ما قبلهما ويقع الالتباس ، فتكون عارة في عورة بمنزلة دارة ، وهذيل بن مدركة يحركون فيقولون عورات وبيضات . قال الله تعالى ذكره : ثلاث عورات لكم فهذه القراءة السائرة بنقل العامة والخاصة ، وقد قرأ بعضهم عورات بالتحريك ، وهذه قراءة شاذة . وأما فعلات إذا كانت نعتا فبابها التسكين تخفيفا مثل : ضخمة وضخمات ، وعبلة وعبلات ، وكما شذ في الأسماء قول الراجز زفراتها على ما قدمنا ذكره ، فقد شذ في القياس واطرد في الاستعمال قولهم : ربعات في جمع رجل ربعة وامرأة ربعة . وقد زعم جماعة من النحاة أن مما شذ أيضا في هذا الموضع قولهم شاة لجبة وشياه لجبات ، وهي [ ص: 493 ] القليلة اللبن . وأرى أنه قيل على التفاؤل بالغزر كما قيل للعطشان ناهل ، وللضرير بصير ، وللديغ سليم ، في قول كثير منهم . ألا ترى إلى قول الشاعر :

في جحفل لجب

وقد حكي شاة لجبة بالفتح ، وحكى الكسائي عن العرب فيما روي عنه لجبة ولجبة ، فعلى هذين الوجهين يكون لجبات جاريا على أصله وقياسه وغير خارج عن بابه . وأما قولهم لقبيلة من قريش العبلات فإنه تقرر في أصله اسما وخرج أن يكون صفة ونعتا . قال الشاعر في لغة هذيل التي قدمنا ذكرها :


أبو بيضات رائح متأوب     رفيق بمسح المنكبين سبوح

وقد اختلف أهل العلم بالعربية في علة تحريك عين فعلات  بحيث وصفنا وفعلة منه ساكنة العين ، فقال أكثرهم : فعل هذا ليفرق بين الأسماء في هذا الباب وبين النعوت ، وكانت الأسماء لخفتها أحمل للحركة والنعوت أولى بالتسكين لثقلها وأنها تأتي ثانية بعد الأسماء . وقال بعضهم : فعلات في هذا الباب فيها تاءان في الأصل والتقدير ، وإحداهما هاء تنقلب في الوقف تاء كقولك جفنة وكان التقدير في جمعها جفنتات لأن التاء الأولى لازمة في الواحدة والتاء الثانية أتت للجمع ، فاكتفي بإحداهما جعلت حركة العين عوضا مما حذف ، وكانت الأسماء أحق بهذا لسعتها وخفتها ، ولم يؤت بها في النعت للتخفيف . وقد حكي امرأة صعدة ، كأنها صعدة توصف بالطول تشبيها بالقناة ، يقال في يد فلان صعدة يمانية ، كما قال الشاعر :


في كفه صعدة يمانية     فيا سنان كشعلة القبس

يعني وهجا ومثله :


صعدة قد ثبتت في حائر     أينما الريح تميلها تمل

فأسكن هاهنا المشبه والمشبه به وهو النعت والاسم في الواحد ، وقالوا : نسوة صعدات فأسكنوا لأنه نعت ، وكأنهن صعدات فحركوا لأنه اسم .

قال القاضي : وهذا باب تتصل به أبواب تشاركه في أصوله ولها أحكام وعلل ، وفيها لغات تتشعب وتتفرع ، وهي مرسومة على حدودها مقرونة بعللها في أو إلى المواضع بها .

التالي السابق


الخدمات العلمية