فصل
في اعتراض المبتدعة وغيرهم على حديث المعراج
قالوا: لم يأت ذكر العروج في القرآن، وإنما أتى فيه ذكر الإسراء إلى المسجد الأقصى، وقالوا: رويتم في بعض الأخبار أنه حين أسري به كان في بيت أم هانئ، وفي بعضها أنه كان بين الصفا والمروة.
وفي حديث : فرج سقف بيتي وأنا أبي ذر بمكة .
وفي حديث أنس : أسري برسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مسجد الكعبة.
وفي حديث قال: مالك بن صعصعة قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: بينا أنا نائم عند البيت بين النائم واليقظان، قالوا: رويتم أنه شق صدره وغسل بماء زمزم، وإنما كان ذلك في حال صغره، وحين كان عند حليمة ظئره، قالوا: ورويتم في بعض الأخبار أنه لقي موسى -عليه السلام- في السماء السادسة وإبراهيم -عليه السلام- في السماء السابعة، وفي بعضها أنه لقي إبراهيم -عليه السلام- في السماء السادسة، وفي السماء السابعة لفضل تكليم الله إياه، ورويتم أنه [ ص: 498 ] لقي موسى -عليه السلام- وهو يصلي في قبره، ورويتم جبريل -عليه السلام-: والله ما ركبك آدمي أكرم على الله -عز وجل- منه فقر وارفض عرقا فركبه أنه ركب البراق فاستصعب، فقال .
وفي بعض الروايات فقال: ائتني يا جبريل بألين من هذا، فأتاه ببرقة فركبها.
وفي رواية عن ، عن أبي عمران الجوني -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: " أنس بن مالك جبريل فوكز بين كتفي فقمت إلى شجرة مثل وكري الطير، فقعد في أحدهما وقعدت في الآخر، فسمت وارتفعت حتى سدت الخافقين، ولو شئت أن أمس السماء لمسست بينا أنا جالس إذ جاء " قالوا: ورويتم في حديث أبي هارون العبدي أنه رأى أباه آدم -عليه السلام- في السماء الدنيا يعرض عليه أرواح ذريته، وإذا كان روح كافر قال: روح خبيث وريح خبيث، اجعلوا كتابه في سجين، قالوا: ولا يجوز لروح الكافر وهو خبيث أن يعرج به في السماء. قالوا: ورويتم أنه قال: فنظرت إلى جبريل فرأيته كالحلس البالي فعلمت فضل علمه بالله -عز وجل- قالوا: ورويتم أنه لما رد من خمسين صلاة إلى خمس صلوات فرجع إلى موسى أمره بالرجوع إلى ربه، فقال: إني رجعت إلى ربي حتى استحييت.
وفي حديث شريك ، عن أنس فرجع إلى ربه فقال: يا رب إن أمتي ضعاف، فقال: إنه لا يبدل القول لدي (هي) كما كتبت عليك في أم الكتاب، ولك بكل حسنة عشر أمثالها هي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك. قالوا: ففي هذين الحديثين اختلاف: في أحدهما أنه لم يرجع إلى ربه -عز وجل-، وفي أحدهما أنه رجع، وفي بعض الروايات في قوله تعالى: [ ص: 499 ] إذ يغشى السدرة ما يغشى قيل: رأى على السدرة كالجراد من الذهب وكالفراش من الذهب، وقالوا: رويتم أن موسى -عليه السلام- لما رجع من طور سيناء تبرقع لما غشي وجهه من النور، ولم يتبرقع النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان مقامه أقرب من مقامه، ومحله أعظم من محله، ورويتم أن موسى -عليه السلام- بعدما رجع لم يطأ امرأة قط، ولم يرو ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قالوا: ورويتم أنه رده من خمسين صلاة إلى خمس صلوات، وهذا نسخ الشيء قبل الفعل، ونسخ الشيء قبل الفعل لا يجوز.
قال بعض العلماء: لا بد من الأحكام السمعية في تخليص خبرين بينهما اختلاف من تمييز الرجال، ونقد الرواة ليتميز الصحيح من السقيم، والجيد من الرديء، (أو) يجمع بين الخبرين بمعنى يتفقان فيه، فقول من قال: لم يأت ذكر العروج في القرآن، يقال: إن ابتداء أمره -صلى الله عليه وسلم- كان بالإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والعروج إنما كان بعد ذلك، فلو أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالعروج ابتداء لم يصدقوه، فأسراه الله ابتداء إلى بيت المقدس حتى شاهده ورآه، ثم عرج به منه إلى السماء، وأري ما أري من العجائب، فلما نزل وأخبر قومه من الغد بالإسراء قالوا له: كيف رأيت بيت المقدس؟ فطفق يخبرهم بذلك فلم يمكن أحدا منهم رأى بيت المقدس أن ينكره، وسألوه (عن) خبر العير، فأخبرهم فكان ذلك كالحجة اللازمة لهم في قبول خبره وتصديق مقالته، هذا هو الحكمة في تقديم الإسراء على المعراج، ويدل على صحة المعراج قوله: وهو بالأفق الأعلى ، وقوله: [ ص: 500 ] بالأفق المبين ، ثم الأخبار المتواترة بالأسانيد المتصلة أنه عرج به إلى السماء.
وأما الجواب عن قولهم: رويتم أنه أسري به من بيت ، ورويتم أنه كان بين الصفا والمروة وغير ذلك. أم هانئ
قال أهل التاريخ: ولد النبي -صلى الله عليه وسلم- عام الفيل، ودفع إلى ظئره فلم يزل عندهم خمس سنين، ثم ردوه إلى أمه فأخرجته أمه إلى أخواله بالمدينة بعد سنة، فتوفيت أمه بالأبواء، وردته حاضنته إلى أم أيمن مكة بعد موت آمنة، وكفله عبد المطلب ، فتوفي عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين، وكفله أبو طالب ، وخرج معه إلى الشام في تجارة وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وخرج لخديجة إلى الشام في تجارة وهو ابن خمس وعشرين سنة، وتزوج ، وبنيت الكعبة ورضيت خديجة قريش بحكمه فيها وهو ابن خمس وثلاثين سنة، وبعث وهو ابن أربعين سنة، وتوفي أبو طالب وهو ابن تسع وأربعين سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوما. وتوفيت بعد موت خديجة أبي طالب بثلاثة أيام، ثم خرج إلى الطائف ومعه بعد ثلاثة أشهر من موت زيد بن حارثة ، فأقام بها شهرا، ثم رجع إلى خديجة مكة في جوار مطعم بن عدي ، فلما أتت له خمسون سنة قدم عليه جن نصيبين فأسلموا، فلما أتت له إحدى وخمسون سنة وتسعة أشهر أسري به من بيت . أم هانئ بنت أبي طالب
[ ص: 501 ]