فصل
قالوا: وما معنى قولكم أنه ربط البراق بحلقة باب من أبواب المسجد مع علمه أنه لو لم يربطه بها ما كان يخاف الانفلات.
والجواب عن الاعتراضات أن الأحاديث في هذا الباب مختلفة منها ما هو صحيح، ومنها ما هو " واه ".
قال أبو العباس بن سريج : الأحاديث في المعراج كثيرة يحتمل أن يكون -صلى الله عليه وسلم- ليلة الإسراء كان في بيت ، وهو بين أم هانئ الصفا والمروة . ومن روى أنه أسري به من بيته فإنه أضاف بيت إلى نفسه؛ لأنه كان بيت أم هانئ أبي طالب ، وكان -صلى الله عليه وسلم- تربى فيه فأضيف إليه.
ومن روى أنه أسري به من المسجد الحرام ومسجد الكعبة، فإنما أراد به الحرم الذي هو مسجد فيضاف إلى الكعبة، فأضاف الكل إلى الحرم، والحرم قد يجوز أن يطلق عليه اسم المسجد الحرام. قال الله تعالى: جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس أريد به الحرم، وقال: أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ، وقال: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام ، فإذا حمل على ما ذكرناه حصل الاتفاق، وزال الاختلاف.
[ ص: 502 ] وأما ما روي أنه أسري به وهو بين النائم واليقظان، قيل: إنه في الابتداء كان نائما فأيقظه جبريل -عليه السلام- فكان يدل على ذلك قوله تعالى: الإسراء بعد ذلك في حال اليقظة سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ، وقوله: بعبده هذا اللفظ يقع على البدن والروح جميعا، أعني قوله: بعبده ولو كان نوما لم يتعجبوا ولم ينكروا، وما روي أن بعض أزواجه قالت: لم تفقد جسمه (أول الليل وآخره) لا يصح، وهو مما وضع ردا للحديث الصحيح، وقيل: (ولم يفقد جسمه) أول الليل وآخره لأنه صلى العشاء بمكة فأسري به بعد صلاة العشاء، ثم أنزل قبل صلاة الفجر، وقد بقيت من الليل بقية .
وفي حديث ، عن أبي عمران الجوني أنس قال: بينا أنا جالس إذ جاء جبريل فوكز بين كتفي، هذا أيضا يدل على أنه كان في حال اليقظة.
وقولهم: شق الصدر وغسل القلب إنما كان في حال صغره. قيل: مرة في حال الصغر ليصير قلبه مثل قلوب الأنبياء في الانشراح، ومرة عند الإسراء به ليصير حاله مثل حال الملائكة؛ لأنه يراد به العروج إلى مقام المناجاة. شق صدره مرتين:
وأما ما روي أنه لقي موسى -عليه السلام- ببيت المقدس ورويتم أنه لقيه في السماء، قيل: رأى الأنبياء قبل الإسراء في الأرض، ثم رآهم في السماء. روي أنه صلىببيت المقدس والأنبياء خلفه، وما ينكر أن يكون لقي موسى مرة في قبره يصلي، ومرة في طريقه إلى المسجد الأقصى، ومرة في المسجد، قبل العروج، ومرة في السماء السادسة، فأما ما روي أنه لقيه في السماء السابعة فالصحيح ما رواه أنه لقي مالك بن صعصعة موسى في السماء [ ص: 503 ] السادسة وإبراهيم في السماء السابعة، هذا أصح من رواية شريك ، عن أنس أنه لقي موسى في السماء السابعة لفضل كلامه تعالى.
وأما ما قالوا: رويتم أنه -صلى الله عليه وسلم- صلى ببيت المقدس بالأنبياء، وفي السماء الرابعة بالملائكة فليس هذا بمختلف.
وأما ما رويتم أنه لقي إدريس في السماء السادسة، وفي رواية: في السماء الرابعة فالمشهور في ذلك السماء الرابعة.
وقولهم: كيف يجوز أن يؤذن للروح الخبيث ليعرج به في السماء وهي موضع الطهارة؟ قيل: يحتمل أن يكون آدم -عليه السلام- في السماء الدنيا فيعرض عليه أرواح الكفار من غير أن يعرج بها في السماء.
وقولهم: فإذا جبريل كالحلس البالي، فعلمت فضل علمه بالله تعالى. قيل: معناه: فضل خشيته، قيل: خص الله المصطفى -صلى الله عليه وسلم- في ذلك الوقت بالتثبيت؛ لأنه لو لم يخصه بذلك لما أطاق رؤية العجائب.
وقولهم: رجع من عند موسى -عليه السلام- إلى ربه -عز وجل- لما أخبره بأنه رد إلى خمس صلوات، قيل: هذا في حديث شريك، وفي غيره من الأخبار أنه قال: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت، فما أنا براجع إليه، الصحيح أنه لم يرجع بعد ذلك.
وقولهم: ما معنى قوله: إذ يغشى السدرة ما يغشى .
[ ص: 504 ] يقال: قد روي عن -رضي الله عنه- قال: يعني الملائكة. وروي عن ابن عباس أبي سلمة قال: فراش من ذهب.
وقال : غشيها نور الرب -عز وجل- وغشيتها الملائكة مثل الغربان تقع. الربيع بن أنس
وقال : استأذنت الملائكة الرب -عز وجل- أن ينظروا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-. سلمة بن وهرام
وقال الحسن : غشي كل ورقة ملك. وقيل: غشيها الملائكة كأنهم فراش من ذهب.
وقولهم: تبرقع موسى لما كلمه الرب -عز وجل-، ولم يتبرقع المصطفى -صلى الله عليه وسلم-. قيل: موسى -عليه السلام- ألبس ظاهره نورا، والمصطفى -صلى الله عليه وسلم- ألبس باطنه نورا رفقا بأمته.
وقول القائل: ما معنى ربطه البراق بحلقة الباب؟
[ ص: 505 ]