فصل
قال الإمام وأما أهل القدر احتجوا بحديثين: أبو المظفر:
19 - أحدهما حديث - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أبي هريرة ". [ ص: 35 ] " كل مولود يولد على الفطرة. فأبواه يهودانه، وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها جدعاء
ثم يقول اقرؤوا إن شئتم: أبو هريرة: فطرت الله التي فطر الناس عليها
20 - والثاني حديث عياض بن حماد أنه شهد خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - فسمعه يقول " إن الله عز وجل أمرني أن أعلمكم مما جهلتم من دينكم يومكم هذا. وإن كل مال نحلته عبدي فهو له حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنه أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا " . [ ص: 36 ]
قال: ذكر أبو عبيد في كتابه المعروف بغريب الحديث هذا الخبر وهو قوله: كل مولود على الفطرة. ثم قال: سألت محمد بن الحسن عن هذا الحديث فقال: كان هذا في أول الإسلام قبل أن تنزل الفرائض، وقبل أن يؤمر المسلمون بالجهاد.
قال أبو عبيد: كأنه يذهب إلى أنه لو كان يولد على الفطرة ثم مات قبل أن يهوده أبواه، أو ينصراه ما ورثهما، ولا ورثاه ؛ لأنه مسلم وهما [ ص: 37 ] كافران. وما كان يجوز أن يسبى. يقول: فلما نزلت الفرائض، وحدت السنن، بخلاف ذلك علم أنه يولد على دينهما .
قال أبو عبيد: وأما عبد الله بن المبارك فإنه بلغني أنه سئل عن تأويل هذا الحديث. فقال: تأويله الحديث الآخر.
[ ص: 38 ] 21 - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ". سئل عن أطفال المشركين فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين يذهب إلى أنهم إنما يولدون على ما يصيرون إليه من إسلام أو كفر. فمن كان في علم الله أنه يصير مسلما فإنه يولد على الفطرة، ومن كان علمه فيه أن يموت كافرا ولد على الكفر. [ ص: 39 ] ولا مزيد على قول هذين الرجلين. فإن كل واحد منهما إمام مقدم في صنعته. فابن المبارك إمام في الحديث، ومحمد بن الحسن إمام في الفقه. فلا معدل بنا عن قوليهما.
قال وأما اعتقاد أهل السنة في أمر الأطفال فهو ما نطق به الحديث من توقيف الأمر فيهم ليفعل الله بهم ما يريد. أبو المظفر:
وكذلك الأمر في الهالك في الفترة. ومن لم تبلغه الدعوة لأن العذاب لا يجب إلا بعد بلوغ الرسالة إياه .
[ ص: 40 ] والدليل عليه نص القرآن وهو قوله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا . وقال تعالى: رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل .
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: " خلقت عبادي حنفاء " فهو -والله أعلم- إشارة إلى المعرفة الغريزية التي هي مركبة فيهم.
قال: وقد ذكر بعض أهل العلم أن الفطرة ها هنا هي الفطرة الغريزية [ ص: 41 ] التي هي موجودة في كل إنسان. فإن كل أحد يرجع إلى غريزته عرف خالقه. وذلك معنى قوله تعالى: فطرت الله التي فطر الناس عليها وهذه المعرفة هي المعرفة التي أخبر الله تعالى بوجودها من الكفار، وذلك في قوله: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله وقال تعالى: فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فحين ظهرت لهم حال الضرورة وانقطعوا عن أسباب الخلق، ولم يبق لهم تعلق بأحد ظهرت فيهم المعرفة الغريزية. إلا أنها غير نافعة. إنما النافعة هي المعرفة الكسبية، إلا أن الله تعالى فطر الناس على المعرفة الغريزية، وطلب منهم المعرفة الكسبية، وعلق الثواب بها والعقاب على تركها.
يدل على هذا ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عمن مات قبل أن يبلغ فقال: " الله أعلم بما كانوا عاملين " .
ولو ولد ولد الكافر على الإسلام لأوجب النبي - صلى الله عليه وسلم - له الجنة بكل حال. فلما أحال الحكم على ما علم الله تعالى من أعمالهم أن لو أدركوا وقت العمل عرفنا أن المعنى بالفطرة ما قلنا من المعرفة التي لا يكون فيها ثواب ، ولا بعدمها عقاب .
[ ص: 42 ] [ ص: 43 ]