الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
باب في ذكر الوعد والوعيد

40 - أخبرنا أحمد بن عبد الغفار ، أنا أبو بكر بن أبي نصر ، نا أبو الشيخ ، نا زكريا بن يحيى الساجي ، وأبو حفص السلمي ، وأبو يعلى. قالوا: نا هدبة بن خالد ، نا سهيل بن أبي حزم ، نا ثابت البناني عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من وعده الله على عمله ثوابا فهو منجزه له، ومن أوعده على عمله عقابا فهو فيه بالخيار ".  

[ ص: 72 ] قال: وحدثنا أبو الشيخ ، نا محمد بن حمزة ، نا أحمد بن الخيل نا [ ص: 73 ] الأصمعي قال: جاء عمرو بن عبيد إلى عمرو بن العلاء فقال: يا أبا عمرو؟ ويخلف الله ما وعده؟ قال: لا. قال: أفرأيت من أوعده الله على عمل عقابا، أيخلف الله وعده فيه؟ فقال: أبو عمرو بن العلاء: من العجمة أتيت يا أبا عثمان. إن الوعد غير الوعيد. إن العرب لا تعد عارا ولا خلفا أن تعد شرا، ثم لا تفعله. ترى ذلك كرما وفضلا.

وإنما الخلف أن تعد خيرا ثم لا تفعله. قال: فأوجدني هذا في كلام العرب؟ قال: نعم. أما سمعت إلى قول الأول:


(ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي ولا أنا أخشى صولة المتهدد)      (وإني وإن أوعدته، ووعدته
لمخلف ميعادي، ومنجز موعدي)

[ ص: 74 ] قال أبو الشيخ: حكي لي عن يحيى بن معاذ قال: الوعد والوعيد حق. فالوعد حق العباد على الله، ضمن لهم إذا فعلوا كذا أن يعطيهم كذا ، ومن أولى بالوفاء من الله.

الوعيد حقه على العباد، قال: لا تفعلوا كذا فأعذبكم، ففعلوا فإن شاء عفا، وإن شاء أخذ لأنه حقه وأولاهما بربنا تبارك وتعالى العفو والكرم؛ إنه غفور رحيم.

ومما يدل على ذلك ويؤيده، خبر كعب بن زهير حين أوعده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحين جاءه تائبا عفا عنه، وكان في عفوه دليل أن إطلاقه القول كان باستثناء، وإن لم يكن ذلك مسموعا منه، لأن ذلك لو لم يكن كذلك كان يؤدي إلى الكذب، وحاشى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك. وفيه يقول كعب بن زهير:


(أنبئت أن رسول الله أوعدني     والعفو عند رسول الله مأمول)

[ ص: 75 ] فأخبر أنه قد أوعد ثم رجا منه العفو. وفي ذلك دليل على أن ذلك لم يكن عند العرب خلفا، إذ كان في باطنه استثناء. وكذلك سبيل آي الوعيد عندنا ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية