فصل
قال الحارث المحاسبي: اعتزل محمد بن مسلمة ، ، وأبو موسى وأسامة وابن عمر ، وأنس ، ، وجماعة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في واحد منهم القدوة، ولم يقاتلوا، وأشكل الأمر إذ لم يبين في آية ولا سنة ولا إجماع من الأمة فأمسكنا عن الدماء أن نقول فيها شيئا لاختلاف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وشهدنا وأبو مسعود لعلي - رضي الله عنه - أنه أحق بها، ولم يستقر العلم عندنا بآية ولا سنة ولا إجماع أن له أن يقاتل فهو عندنا على فضيلته وسابقته الأولى، ولم يتبين لنا في قتاله خطأ يشهد به عليه، ولا استقر عندنا العلم به فنقطع به، ولكن نمسك إذ أشكل الأمر علينا ونكل علم ذلك إلى الله عز وجل قد أشكل ذلك على أئمة قبلنا منهم سعد - رضي الله عنه -، واعتزاله، وقوله: إن [ ص: 513 ] أتيتموني بسيف يعرف المؤمن من الكافر قاتلت معكم، فدل بقوله هذا أن وأن سيفه ليس عنده معرفة بذلك، وهذا دليل على أن الأمر قد أشكل واشتبه، وأن قتل المؤمن حرام، وأن قتل الكافر حلال، سعدا كره أن يقاتل على شبهة.
ومما يدل على ذلك أن معاوية - رضي الله عنه - عاتبه على أن لا يكون يقاتل معه فقال له: إنما مثلي ومثلكم كمثل قوم كانوا يسيرون على جادة الطريق فهاجت ريح شديدة وظلمة فلم يعرفوا الطريق وأخذ الناس يمينا وشمالا فتاهوا، وقال بعضهم: أخ، أخ، ونزلوا حتى أسفرت الظلمة وأبصروا الطريق. فقال معاوية: يا أتجد في كتاب الله: أخ، أخ؟ فقال: لا أقاتل حتى تأتوني بسيف يعرف المؤمن من الكافر يقول: هذا مسلم لا تقتله وهذا كافر فاقتله. وقد تقدم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك قول بين: أبا إسحاق