الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 110 ص: وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ حُضَيْنٍ بْنِ الْمُنْذِرِ أَبِي سَاسَانَ ، عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ: " أَنَّهُ سَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ". . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَرِهَ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ، وَرَدَّ السَّلَامَ بَعْدَ الْوُضُوءِ الَّذِي صَارَ بِهِ مُتَطَهِّرًا، فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّهُ قَدْ تَوَضَّأَ قَبْلَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى. شرح معاني الآثار ش: أَيِ احْتَجَّ الْآخَرُونَ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِمَا قَدْ حَدَّثَنَا ... إِلَى آخِرِهِ. وَسَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ أَبُو النَّضْرِ الْبَصْرِيُّ ، رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ. وَحُضَيْنٌ -بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَفِي آخِرِهِ نُونٌ- رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ صَحِيحٌ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، ثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ حُضَيْنِ بْنِ الْمُنْذِرِ ، عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ "أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ [عَلَيْهِ] حَتَّى تَوَضَّأَ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ قَالَ: إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى إِلَّا عَلَى طُهْرٍ أَوْ [قَالَ] عَلَى طَهَارَةٍ" . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ... إِلَى آخِرِهِ نَحْوَ رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ . وَكَذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنِهِ" وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" وَالْحَاكِمُ فِي "مُسْتَدْرَكِهِ" وَقَالَ: إِنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي "الْإِمَامِ": هَذَا الْحَدِيثُ مَعْلُولٌ، وَمُعَارَضٌ; أَمَّا كَوْنُهُ مَعْلُولًا فَلِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ كَانَ قَدِ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، فَيُرَاعَى فِيهِ سَمَاعُ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ. وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ : مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ بِهِ وَلَيْسَ فِيهِ: "أَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي ... " إِلَى آخِرِهِ، وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ وَغَيْرِهِ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ مُهَاجِرٍ مُنْقَطِعًا، فَصَارَ فِيهِ ثَلَاثُ عِلَلٍ. وَأَمَّا كَوْنُهُ مُعَارَضًا فَبِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ : مِنْ حَدِيثِ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ ... " الْحَدِيثَ. فَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَعَ الْحَدَثِ . قَوْلُهُ: "فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ" أَيْ حَدِيثِ مُهَاجِرٍ ، أَرَادَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ دَلَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَوَضَّأَ قَبْلَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ; فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّسْمِيَةِ. وَفِي "الْمَبْسُوطِ": عَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَعْرَابِيَّ الْوُضُوءَ وَلَمْ يَذْكُرِ التَّسْمِيَةَ. فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: "لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُذْكَرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ" نَفْيُ الْكَمَالِ لَا نَفْيُ الْجَوَازِ، وَفِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ: "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يَبْدَأْ بِاسْمِ اللَّهِ أَقْطَعُ" أَيْ نَاقِصٌ غَيْرُ كَامِلٍ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي هَذَا الْبَابِ كُلَّهَا لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ وَلَا أَسَانِيدُهَا مُسْتَقِيمَةً، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ : لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا لَهُ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ. قُلْتُ: قَدْ ذَكَرْنَا عَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ صَحَّحُوا حَدِيثَ الْمُهَاجِرِ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْفَضِيلَةِ، حَتَّى لَا يَلْزَمَ الزِّيَادَةُ عَلَى مُطْلَقِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: "لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ" . فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: "لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُذْكَرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ" نَظِيرُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: "لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" فِي كَوْنِهِ خَبَرَ الْوَاحِدِ، فَكَيْفَ اخْتَلَفَ حُكْمُهُمَا مِنَ السُّنَّةِ وَالْوُجُوبِ؟ قُلْتُ: قَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمَا نَظِيرَانِ فِي كَوْنِهِمَا خَبَرَ الْوَاحِدِ، بَلْ خَبَرُ الْفَاتِحَةِ أَشْهَرُ مِنْ خَبَرِ التَّسْمِيَةِ، فَقَدْرُ مَرْتَبَةِ الْحُكْمِ عَلَى حَسَبِ مَرْتَبَةِ الْعِلَّةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ; لِأَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِذَا كَانَ خَبَرُ الْفَاتِحَةِ مَشْهُورًا لَكَانَ تَعْيِينُ الْفَاتِحَةِ فَرْضًا; لِجَوَازِ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ بِالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: قَارَنَ خَبَرُ الْفَاتِحَةِ مُوَاظَبَةَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ، فَهَذَا دَلِيلُ الْوُجُوبِ، بِخِلَافِ التَّسْمِيَةِ حَيْثُ لَمْ تَثْبُتْ فِيهَا مُوَاظَبَةٌ. فَإِنْ قُلْتَ: حَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ قَرِيبٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُسَمِّي فِي الْوُضُوءِ دَائِمًا. قُلْتُ: نَعَمْ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا كَانَتْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا سُنَّةُ الْوُضُوءِ بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ فِي ابْتِدَاءِ جَمِيعِ الْأَفْعَالِ.

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية