الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                335 ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن ، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ ، قال: ثنا ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن معمر بن أبي حية ، قال: سمعت عبيد بن رفاعة الأنصاري يقول: " كنا في مجلس فيه زيد بن ثابت - رضي الله عنه - فتذاكروا الغسل من الإنزال، فقال زيد ما على أحدكم إذا جامع فلم ينزل إلا أن يغسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة، فقام رجل من أهل المجلس فأتى عمر - رضي الله عنه - فأخبره بذلك، فقال عمر للرجل: اذهب أنت بنفسك فأتني به حتى تكون أنت الشاهد عليه، فذهب فجاء به، وعند عمر ناس من أصحاب رسول الله - عليه السلام - فيهم علي بن أبي طالب ، ومعاذ بن جبل - رضي الله عنهما - فقال له عمر : أنت عدي نفسه تفتي الناس بهذا؟! فقال زيد أم والله ما ابتدعته، ولكني سمعته من أعمامي: رفاعة بن رافع ، ومن أبي أيوب الأنصاري ، . [ ص: 501 ] فقال عمر : : يا عباد الله، فمن أسأل بعدكم، وأنتم أهل بدر الأخيار؟ فقال علي بن أبي طالب : - رضي الله عنه -: فأرسل إلى أزواج النبي - عليه السلام - فإنه إن كان شيء من ذلك ظهرن عليه، فأرسل إلى حفصة فسألها، فقالت: لا علم لي بذلك. ثم أرسل إلى عائشة - رضي الله عنها - فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل ، فقال عمر - رضي الله عنه - عند ذلك: لا أعلم أحدا فعله ثم لم يغتسل إلا جعلته نكالا". .

                                                التالي السابق


                                                ش: هذا بيان قوله: "وقد كشف ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -" فهذا عمر قد كشف ذلك [عند] الصحابة بعد أن أنكر على زيد بن ثابت فتواه، ثم لما جاءه خبر عائشة - رضي الله عنها - حمل الناس على وجوب الغسل من الإكسال ، وأوعد من لم يغتسل [منه] بالنكال، ووافقته الصحابة على ذلك، فانعقد إجماعا على وجوب الغسل بالإيلاج وإن لم ينزل .

                                                ثم رجال الأثر المذكور ثقات، غير أن في عبد الله بن لهيعة مقالا.

                                                وأبو عبد الرحمن المقرئ اسمه عبد الله بن يزيد

                                                ومعمر بن أبي حية -بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف- ويقال: ابن أبي حيية -بضم الحاء وفتح الياء الأولى- وعبيد بن رفاعة ذكره عبد الغني في الصحابة، وذكره ابن حبان في التابعين الثقات، وقال ابن الأثير : قيل: إنه أدرك النبي - عليه السلام - في صحبته خلاف.

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى ، عن محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن معمر بن أبي حيية مولى ابنة صفوان ، عن عبيد بن رفاعة بن رافع ، عن أبيه رفاعة بن رافع قال: "بينا أنا عند عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذ دخل عليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين ، هذا زيد بن [ ص: 502 ] ثابت يفتي الناس في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة، فقال عمر : علي به، فجاء زيد ، فلما رآه عمر - رضي الله عنه - قال: أي عدو نفسه، قد بلغت أن تفتي الناس برأيك، فقال: يا أمير المؤمنين ، بالله ما فعلت، لكني سمعت من أعمامي حديثا، فحدثت به، من أبي أيوب ، ومن أبي بن كعب ، ومن رفاعة بن رافع ، فأقبل عمر على رفاعة بن رافع ، فقال: وقد كنتم تفعلون ذلك إذا أصاب أحدكم المرأة فأكسل لم يغتسل؟ فقال: قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يأتنا من الله فيه تحريم، ولم يكن من رسول الله - عليه السلام - فيه نهي، قال: رسول الله - عليه السلام - يعلم ذلك؟ قال لا أدري، فأمر عمر بجمع المهاجرين والأنصار ، فجمعوا له، فشاورهم، فأشار الناس: ألا غسل في ذلك; إلا ما كان من معاذ وعلي ، فإنهما قالا: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل ، فقال عمر - رضي الله عنه -: هذا وأنتم أصحاب بدر وقد اختلفتم، فمن بعدكم أشد اختلافا، قال: فقال علي يا أمير المؤمنين إنه ليس أحد أعلم بهذا من شأن رسول الله - عليه السلام - من أزواجه، فأرسل إلى حفصة - رضي الله عنها - فقالت: لا علم لي بهذا، فأرسل إلى عائشة - رضي الله عنها - فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فقال عمر - رضي الله عنه -: لا أسمع برجل فعل ذلك إلا أوجعته ضربا" .

                                                قوله: "أنت عدي نفسه" بضم العين، وفتح الدال، مصغر عدو; لأن العدو إذا صغر يكون على عديو، على وزن فعيل ثم تقلب الواو ياء، وتدغم الياء في الياء، وقد جاء في رواية ابن أبي شيبة وغيره بالتكبير.

                                                قوله: "أم والله" أصله "أما" بالفتح والتخفيف، وهو في كلام العرب على وجهين:

                                                أحدهما: أن يكون حرف استفتاح، بمنزلة "ألا"، ويكثر قبل القسم، وقد يحذف الألف مع ترك الإبدال، وها هنا كذلك.

                                                والثاني: أن يكون بمعنى حقا، وفيه خلاف.

                                                قوله: "ظهرن عليه" بمعنى أحطن به علما، من قولهم: ظهرنا عليهم، أي غلبناهم وأحطنا بهم، وأصل الظهور: التبين.

                                                [ ص: 503 ] قوله: "نكالا" أي عبرة لغيره، بمعنى يوقع به نكالا حتى يصير عبرة لغيره.




                                                الخدمات العلمية