الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : [ بيان موضع البيع ]

                                                                                                                                            فأما ذكر موضع المبيع ، فيختلف بحسب اختلاف المبيع .

                                                                                                                                            فإن كان المبيع مما لا ينقل كالأرض والعقار ، فلا بد من ذكر البلد الذي فيه ، فيقول : بعتك دارا بالبصرة أو بغداد : لأن بذكر البلد ، يتحقق ذكر الجنس ، ويصير في جملة المعلوم .

                                                                                                                                            فأما ذكر البقعة من البلد ؟ ففيه وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : يلزم ذكرها .

                                                                                                                                            والثاني : لا يلزم ذكرها ؟ لأن البقعة تجري مجرى الصفة .

                                                                                                                                            فأما إن كان المبيع الغائب مما ينقل ويحول كالعبد والثوب ، فلا بد من ذكر البلد الذي هو فيه : لأن القبض يتعجل إن كان البلد قريبا ، ويتأخر إن كان البلد بعيدا ، فافتقر العقد إلى ذكره : ليعلم به تعجيل القبض من تأخيره .

                                                                                                                                            فأما ذكر البقعة من البلد ، فلا يلزم : لأن البلد الواحد لا يختلف أطرافه كالبلاد المختلفة . فإذا ذكر له البلد الذي هو فيه ، فالواجب أن يسلمه إليه في ذلك البلد لا في غيره ، فإن شرط المشتري على البائع أن يسلمه إليه في البلد الذي تبايعا فيه وهو في غيره لم يجز ، وكان البيع فاسدا .

                                                                                                                                            فإذا قيل : أليس لو شرط في السلم أن يسلمه في بلد بعينه جاز ، فهلا جاز مثل ذلك في العين الغائبة ؟ .

                                                                                                                                            [ ص: 22 ] قيل : لأن السلم مضمون في الذمة ، وليس يختص بموضع دون غيره ، فاستوى جميع المواضع فيه ، فافتقر إلى ذكر الموضع الذي يقع القبض فيه ، وليس كذلك العين الغائبة ، لأنها غير مضمونة في الذمة ، وهي معينة قد اختصت بموضع هي فيه فلم يجز اشتراط نقلها إلى غيره : لأنه يصير تبعا وشرطا في معنى بيع ثوب على أنه على البائع خياطته ، أو طعام أن على البائع طحنه .

                                                                                                                                            هل العقد قبل الرؤية تام أم لا ؟

                                                                                                                                            فإذا عقد بيع العين الغائبة على الوصف المشروط فيه .

                                                                                                                                            فقد اختلف أصحابنا هل يكون العقد تاما قبل الرؤية أم لا ؟ على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : وهو قول أبي إسحاق المروزي : أن العقد ليس بتام قبل الرؤية : لأن تمام العقد يكون بالرضا به ، وقبل الرؤية لم يقع الرضا به ، فلم يكن العقد تاما ، فعلى هذا ، لو مات أحدهما بطل العقد ، ولم يقم وارثه مقامه : لأن العقود غير اللازمة ، تبطل بالموت ، وكذلك لو جن أحدهما ، أو حجر عليه بسفه بطل العقد .

                                                                                                                                            وعلى هذا لكل واحد من البائع والمشتري أن يفسخ العقد قبل الرؤية .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : وهو قول أبي علي بن أبي هريرة : أن العقد قد تم قبل الرؤية بالبذل والقبول ، وإنما فيه خيار المجلس ما لم يتفرقا ، كسائر البيوع .

                                                                                                                                            فعلى هذا لو مات أحدهما لم يبطل العقد ، وقام وارثه مقامه وكذلك لو جن أحدهما ، أو حجر عليه بسفه ، لم يبطل العقد وقام وليه مقامه .

                                                                                                                                            وعلى هذا ليس لواحد منهما بعد الافتراق وقبل الرؤية أن يفسخ العقد .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية