الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رحمه الله تعالى : " وإذا جاز السلم في التمر السنتين ، والتمر قد يكون رطبا ، فقد دل على أنه أجاز الرطب سلفا مضمونا في غير حينه الذي يطيب فيه : لأنه إذا أسلف سنتين كان في بعضها في غير حينه " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا كما قال .

                                                                                                                                            السلم يجوز فيما كان موجودا ، أو وقت المحل ، وإن كان معدوما من قبل .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : لا يصح السلم إلا فيما يكون موجودا من وقت العقد إلى وقت المحل .

                                                                                                                                            وقال مالك : إذا كان موجودا وقت العقد ووقت المحل ، جاز السلم فيه ، وإن كان فيما بينهما معدوما فاعتبر طرفي العقد لا غير .

                                                                                                                                            واستدلوا برواية إسحاق ، عن رجل من نجران ، عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تسلفوا في النخيل حتى يبدو صلاحها " . يعني في تمر النخل . وبنهيه صلى الله عليه وسلم حكما عن بيع ما ليس عنده .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : ولأن موت المسلم إليه قبل المحل يجوز ، وحلول ما عليه إن مات واجب ، فاقتضى أن يكون وجوده من حين العقد إلى أن يقدر السلم في بيوع الصفات كتأخير القبض في بيوع الأعيان ، ثم ثبت أن ما أوجب تأخير القبض في الأعيان المبيعة ثبت الخيار ولا يبطل العقد ، وجب أن يكون كل ما اقتضى تأخير القبض في الأشياء الموصوفة قد ثبت الخيار ، ولا يبطل العقد ، وجب أن يكون عدم المثمن عند حلول الأجل يوجب الخيار ولا يبطل العقد وقت المحل شرطا لجواز أن يستحق فيه ، كما كان وجوده وقت المحل شرطا لاستحقاقه فيه ، وهو عمدته في المسألة .

                                                                                                                                            وقد جوز بعض أصحابه ذلك قياسا ، فقالوا : كل وقت جاز أن يكون السلم فيه مستحقا كان وجوده فيه شرطا قياسا على وقت المحل .

                                                                                                                                            وقال مالك : للعقد طرفان ابتداء وانتهاء ، فلما كان وجوده في انتهائه وقت المحل شرطا اقتضى أن يكون وجوده في ابتدائه عند العقد شرطا ، وتحريره أنه أحد طرفي العقد فوجب أن يكون وجود المسلم فيه شرطا كالطرف الثاني .

                                                                                                                                            واستدلا جميعا بأن قالا : ابتداء العقد أغلظ حكما من انتهائه بدليل أن بيع الآبق وقت العقد باطل ، وإن وجد من بعد ، فلما كان وجود ذلك في انتهاء العقد شرطا فأولى أن يكون [ ص: 392 ] وجوده في ابتدائه وانتهائه شرطا ؟ ولأن عقد السلم غرر ، فكان من شرطه أن يحرس مما يخاف حدوثه من الغرر حتى لا يكثر فيه فيبطل ذلك ، وعدم ذلك وقت العقد وإثباته غرر ، فوجب أن يحرس من العقد ، ولأن جهالة الشيء أيسر من عدمه ، فلما بطل السلم بجهالته وقت العقد فأولى أن يبطل بعدمه وقت العقد .

                                                                                                                                            والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه حديث ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يسلفون في التمر السنتين والثلاث ، فقال صلى الله عليه وسلم : " من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم " ومعلوم أن الثمار إنما توجد في وقت من السنة ، وهو صلى الله عليه وسلم قد أجاز السلم فيه سنتين وثلاثا ، وهذه مدة يعدم الرطب في أكثرها فدل على جوازه ، وإن عدم قبل أجله ، ولأن كل زمان لم يكن محلا للسلم عقدا لم يكن وجوده فيه شرطا ، قياسا على ما بعد الأجل ، ولأن كل ما لم يكن وجوده في ملك العاقد معتبرا لم يكن وجوده في ملك غيره معتبرا كالوصية ، ولأن قبض السلم يفتقر إلى زمان ومكان ، فلما لم يكن وجوده في غير مكان القبض معتبرا وجب ألا يكون وجوده في غير زمان القبض معتبرا ، ولأن الثمن في بيوع الأعيان في مقابلة المثمن في بيوع الصفات ، فلما صح في بيوع الأعيان أن يكون الثمن موجودا وقت المحل ، وإن لم يكن موجودا من قبل صح في بيوع الصفات ، أن يكون المثمن موجودا وقت المحل وإن لم يكن موجودا من قبل .

                                                                                                                                            فأما الجواب عما استدلوا به من حديث ابن عمر رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : " لا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه " فهو أن رواية رجل من أهل نجران مجهول لا يعول على حديثه ، ثم لو صح لحمل على بيوع الأعيان . وأما نهي حكيم عن بيع ما ليس عنده فمحمول على بيع ما لم يملكه من الأعيان .

                                                                                                                                            وأما استدلالهم بأن السلم قد حل بموت المسلم إليه ، فهذا اعتبار ساقط : لأن العقود تحمل على السلامة ، ولو جاز أن يكون مثل هذا معتبرا لبطلت أكثر العقود لجواز تلفها وحدوث من صحتها ، ولو جاز أن يكون ما قبل المحل أجلا مستحقا لكان مجهولا ، ولوجب أن يكون العقد باطلا : لأن العقد يبطل بالأجل المجهول ، وفي ترك اعتبار هذا دليل على ترك اعتبار ما قالوا .

                                                                                                                                            وأما استدلال مالك بالطرف الثاني فإنما كان وجوده فيه معتبرا لاستحقاق قبضه فيه ، ولم يكن وجوده وقت العقد معتبرا : لأنه لا يستحق قبضه فيه ، وأما قولهم : إن العقد أقوى من حال القبض ، فهذا في بيوع الأعيان ، فأما في السلم فحال القبض والمحل أقوى من حال العقد ، ألا ترى أن السلم لو كان موجودا وقت العقد معدوما وقت المحل كان العقد باطلا ، وأما قولهم إن عقد السلم غرر ، فوجب أن يكون محروسا من الغرر المظنون ، فقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين :

                                                                                                                                            [ ص: 393 ] أحدهما : أنه ليس بغرر كبيوع الأعيان ، فعلى هذا سقط الاستدلال . والثاني : أنه غرر جوزه الشرع ، فعلى هذا يجب أن يكون محروسا من الغرر في حالتين :

                                                                                                                                            إحداهما : في حال السلامة ، وهذا غرر في غير حال السلامة .

                                                                                                                                            والثانية : من الغرر وقبل المحل ، وهذا غرر قبل المحل ، وأما قولهم أنه لما بطل بجهالته وقت العقد فأولى أن يبطل بعدمه وقت العقد ، فغير صحيح : لأن جهالته وقت العقد يمنع من استيفاء ما يستحق بالعقد وعدمه وقت العقد لا يمنع من استيفاء ما استحق بالعقد .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية