الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رحمه الله تعالى : " ولو اشترى مائة ذراع من دار لم يجز لجهله بالأذرع ، ولو علما ذراعها فاشترى منها أذرعا مشاعة جاز " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا صحيح .

                                                                                                                                            ولو اشترى دارا أو أرضا بحدودها وهما لا يعلمان مبلغ ذرعها ، كان البيع جائزا كالصبرة : لأن الجملة بالمشاهدة معلومة .

                                                                                                                                            وكذا لو اشترى نصف جميع الدار والأرض التي يعرف مبلغ ذرعها مشاعا جاز ، ولو اشترى أرضا مذارعة كل جريب بدينار ، فإن كانا يعلمان مبلغ ذرعها جاز ، وإن كانا لا يعلمان مبلغ ذرعها ، ففيه وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : وهو قول البغداديين ، أن لا يجوز للجهل بمبلغ الثمن .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : وهو قول البصريين ، أنه يجوز لعقده بما يصير الثمن معلوما به كالصبرة إذا باعها كل قفيز بدرهم وهما لا يعلمان مبلغ كيلها .

                                                                                                                                            فلو باعه الأرض مذارعة كل جريب بدينار على أنها عشرة أجربة فخرجت من الذرع تسعة أجربة ، ونقصت جريبا فالبيع جائز ، ونقصانها عيب يوجب خيار المشتري في الفسخ أو المقام على التسعة بالحساب من الثمن .

                                                                                                                                            ولو خرجت في الذرع تزيد جريبا يعني خرج أحد عشر جريبا ، ففي البيع قولان : أحدهما : أن البيع باطل : لأن البائع لا يجبر على تسليم الأرض بحدودها مع الزيادة التي لم يتناولها العقد .

                                                                                                                                            والقول الثاني : أن البيع جائز : لأن قدر ما يتناوله العقد من عدد الجربان مقدور على تسليمه ، ويكون البائع شريكا بالجريب الزائد ، إلا أن هذا عيب لأن دخول اليد بالشركة نقص ، فيكون المشتري بالخيار في الفسخ أو المقام على الذرع المشروط دون القدر الزائد .

                                                                                                                                            فلو اشترى من الأرض كل جريب بدينار ولم يذكر قدر ما اشتراه من الجربان ، فالبيع باطل : لأنه اشترى بعضا مجهولا .

                                                                                                                                            [ ص: 331 ] فأما مسألة الكتاب فصورتها : في رجل اشترى مائة ذراع من دار ، أو جريبا من أرض ، فإن كانا يعلمان ذرع الدار وأنها ألف ذراع صح البيع .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : لا يصح البيع إلا أن يعقد على سهم منها كنصف أو ثلث أو عشر .

                                                                                                                                            وهذا قول مردود : لأنه فرق بين قوله قد اشتريت عشرها ، وبين قوله قد اشتريت مائة ذراع وهي ألف ذراع في أن المعقود عليه عشرها . فأما إن جهلا مبلغ ذرعها فالبيع باطل : لأن المبيع منها يصير مجهول القدر ، إذ ليس يعلم أن يكون نصفا أو عشرا .

                                                                                                                                            وهكذا لو قال : بعتك هذه الدار إلا مائة ذراع منها ، لم يجز إن جهلا مبلغ ذرعها ، وجاز إن علماه . ولو قال : قد ابتعت مائة ذراع من هذه محوزة على أن تذرع لي من أي موضع شئت منها كان البيع باطلا : لاختلاف قيم أماكنها ، بخلاف الصبرة التي تستثنى ، وأقيم جميعها ، وجرى مجرى من ابتاع بطيخا أو رمانا عددا قبل أن يجوزه ، فبطل بيعه لاختلاف قيمة ذلك بالصغر والكبر ، والجودة والرداءة . ولكن لو قال : قد ابتعت مائة ذراع من هذه الدار على أن تذرع لي من مقدمها ، أو قال من مؤخرها ، فإن لم يذكر أنه يذرع ذلك له في عرض الدار كله لم يجز : لأنه قد يحتمل أن يلتمس من مقدمها طولا من غير استيفاء العرض .

                                                                                                                                            وإن ذكر أنه مستوفي المائة ذراع من مقدمها في جميع العرض : فإن كان قد علما الموضع الذي ينتهي إليه الذرع صح البيع : لأنه يصير محوزا . وإن لم يعلما موضع الانتهاء في صحة البيع وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : صحيح ، وبه قال أبو إسحاق المروزي وابن أبي هريرة لأن تعيين الابتداء يفضي إلى معرفة الانتهاء .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أن البيع باطل ، وهو عندي أصح : لأن البيع لا يكون مشاعا في الجملة ولا محدودا بالإجازة .

                                                                                                                                            فصل : فأما بيع الثياب عددا وذرعا فينظر : فإن بيع الثوب مذارعة كل ذراع بدرهم ، فبيعه جائز ، سواء علما مبلغ ذرعه قبل العقد أو جهلاه وهذا مما اتفق عليه البغداديون والبصريون وإن اختلفوا في بيع الأرض مذارعة وهو حجة البصريين عليهم . فلو تبايعا الثوب مذارعة ، كل ذراع بدرهم على أنه عشرة أذرع فنقص ذراع ، فالبيع جائز ، والمشتري بالخيار في أخذه ناقصا بحسابه من الثمن أو فسخه ، ولو زاد ذراعا كان في بيعه قولان : كالأرض فلو باعه ذراعا من الثوب بدرهم فإن علما ذرع جميعه صح ، وإن لم يعلما ذرع جميعه فإن لم يعينا موضع الذراع المبيع من الثوب لم يجز وكان البيع باطلا . فإن عيناه فإن قدراه وعلما انتهاءه جاز .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : لا يجوز لما في قطعه من إدخال النقص في الذراع المبيع والثوب الباقي وهذا تعليل يفضي إلى نقص في جميع المباعات لما يستحق من قسمتها المفضي إلى نقص الحصص ، فاقتضى أن يكون مطروحا .

                                                                                                                                            [ ص: 332 ] وإن عينا ابتداءه ولم يعينا انتهاءه ففي جواز بيعه وجهان على ما مضى في الأرض .

                                                                                                                                            فأما بيع الثوب عددا وهو أن يبيع رزمة ثياب عددا كل ثوب بدينار بعد مشاهدة كل ثوب منها فالبيع جائز ، فلو باعه الرزمة كل ثوب بدينار على أن فيها عشرة أثواب وكان فيها تسعة أثواب ، فالبيع جائز ، وللمشتري أن يأخذها بالقسط من الثمن .

                                                                                                                                            ولو زادت ثوبا فالبيع في جميعها باطل قولا واحدا ، بخلاف الأرض والثوب الواحد إذا بيعا مذارعة : لأن الثياب قد يختلف ، وليس يمكن أن يكون الثوب الزائد مشاعا في جميعها ومساويا لباقيها ، وما زاد على الثوب الواحد والأرض فمتقارب لباقيه ، ويمكن أن يكون مشاعا في جميعه . ولو باعه ثوبا واحدا من الرزمة بدينار فإن عينه عليه صح البيع فيه ، وإن لم يعينه عليه كان بيعه باطلا لاختلاف الأثواب ، ولو ابتاع رزمة ثياب وإن لم يعلم عددها بعشرة دنانير جاز إذا شاهد كل ثوب منها كالصبرة والأرض ، وكذلك لو ابتاع نصفها أو ربعها مشاعا صح البيع .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية