الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : قال الشافعي : " وهكذا يجوز اليمين في الطلاق ، والرجعة في طلقة البتة " ، يريد به حديث ركانة ، فيما يتعلق به من الأحكام بعد أن دل على إعادة اليمين إذا قدمت على الاستحلاف ، فدل به الشافعي على حكمين :

                                                                                                                                            أحدهما : وجوب اليمين في الطلاق .

                                                                                                                                            [ ص: 130 ] والثاني : استحقاق الرجعة في طلقة البتة .

                                                                                                                                            وقد استخرج أصحابنا منه أدلة على أحكام في ثلاثة أقسام :

                                                                                                                                            أحدها : الاستحلاف ، وفيه أدلة على خمسة أحكام :

                                                                                                                                            أحدهما : أن تعجل اليمين قبل الاستحلاف لا يجزئ .

                                                                                                                                            والثاني : جواز الاقتصار في اليمين على إحلافه بالله من غير تغليظ بصفاته .

                                                                                                                                            والثالث : جواز حذف واو القسم من اليمين ، فقد روي في بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لركانة : " الله إنك أردت واحدة ؟ " فقال : الله إني أردت واحدة .

                                                                                                                                            والرابع : استحقاق اليمين في الطلاق والنكاح والرجعة إذا وقع فيه الخلاف والتنازع بخلاف ما يقوله أبو حنيفة : لا يمين في ذلك .

                                                                                                                                            والخامس : استحلافه على نيته ، وإن لم تعلم إلا من جهته .

                                                                                                                                            والقسم الثاني : الطلاق ، وفيه أدلة على خمسة أحكام :

                                                                                                                                            أحدها : أن البتة لا تكون طلاقا ثلاثا ، بخلاف ما قاله مالك ، فإنه جعل البتة ثلاثا ، وقد جعلها النبي صلى الله عليه وسلم واحدة بإرادة ركانة .

                                                                                                                                            والثاني : أن اللفظ محمول على إرادة المطلق ، فإن لم يرد به الطلاق لم يقع .

                                                                                                                                            والثالث : أن يحمل على إرادته في العدد ، وأنه إن أراد طلقتين وقعتا بخلاف ما قاله أبو حنيفة ، أنه لا يقع به إلا واحدة أو ثلاثا ، ولا يقع به طلقتان ، وقد أحلف ركانة على ما أراده .

                                                                                                                                            والرابع : أن طلاق الثلاثة يقع دفعة واحدة إذا أريد ، بخلاف ما قاله أهل الظاهر ومن وافقهم فمنهم من يقول ، تقع به واحدة ، ومنهم من يقول : لا يقع به الطلاق بحال .

                                                                                                                                            ولو لم تقع الثلاثة ما أحلف ركانة على إرادة الواحدة .

                                                                                                                                            [ ص: 131 ] والخامس : أن طلاق الثلاث ليس ببدعة ولا حرام بخلاف ما قاله أبو حنيفة : لأنه لو كان مبتدعا حراما ما أحلف ركانة عليه ، ولبينه الرسول صلى الله عليه وسلم له .

                                                                                                                                            والقسم الثالث : الرجعة ، وفيه أدلة على خمسة أحكام :

                                                                                                                                            أحدهما : أن الرجعة مستحقة في البتة بخلاف ما قاله أبو حنيفة أنها تكون طلقة بائنة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم " أقر ركانة على زوجته " .

                                                                                                                                            والثاني : استحقاق الرجعة في كل طلاق ، لم يبت .

                                                                                                                                            والثالث : اختصاص الرجعة بالقول في قصة ركانة بردها عليه .

                                                                                                                                            والرابع : جواز الرجعة بغير علم الزوجة ، لرجعة ركانة بغير علمها .

                                                                                                                                            والخامس : جوازها بغير شهادة على أحد القولين . والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية