الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            [ ص: 277 ] [ باب الشهادة في الوصية ] .

                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رحمه الله : " ولو شهد أجنبيان لعبد أن فلانا المتوفى أعتقه وهو الثلث في وصيته ، وشهد وارثان لعبد غيره أنه أعتقه وهو الثلث ، في الاثنين فسواء ويعتق من كل واحد منهما نصفه ( قال المزني : ) قياس قوله أن يقرع بينهما ، وقد قاله في غير هذا الباب " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : واختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة هل هي في العتق الناجز في المرض ، أو الوصية بالعتق بعد الموت ؟

                                                                                                                                            وكلام الشافعي يحتمل كلا الأمرين ، لأنه قال : ولو شهد أجنبيان أنه أعتقه وهو الثلث في وصيته ، ويشهد وارثان لعبد غيره أنه أعتقه وهو الثلث في وصيته ، فلهم في مراد الشافعي تأويلان تختلف أحكامهما باختلاف المراد بها :

                                                                                                                                            أحدهما : وهو قول أبي العباس بن سريج ، وأبي إسحاق المروزي ، وأبي علي بن أبي هريرة ، أنها مقصورة في الوصية بالعتق بعد الموت .

                                                                                                                                            فيشهد أجنبيان أن المتوفى وصى بعتق عبده سالم بعد الموت وهو الثلث . ويشهد وارثان أنه وصى بعتق عبده غانم وهو الثلث ، فعبر عن العتق بالوصية ، لأنها وصية بالعتق . فتقبل شهادة الوارثين كما تقبل شهادة الأجنبيين ، لأنهما لا يجران بها نفعا ولا يدفعان بها ضررا ، فصار بالشهادتين موجبا بعتق عبدين قيمة كل واحد منهما ثلث التركة ، وسواء كانت الوصية بعتقهما في الصحة أو في المرض ، أو أحدهما في الصحة ، والآخر في المرض ، لاستواء الوصايا في الصحة والمرض والمتقدم والمتأخر وإذا كان كذلك فهو على ضربين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن تكون في الوصية بعتقهما دليل على تبعيض العتق كأنه قال : أعتقوا سالما إن احتمله الثلث ، وإلا فأعتقوا منه قدر ما احتمله وأعتقوا غانما إن احتملوا الثلث ، وإلا فأعتقوا منه قدر ما يخرج منه ، فإذا كانت قيمة كل واحد منهما سواء صار كأنه قد وصى بعتق النصف من كل واحد منهما ، فهاهنا يعتق من كل واحد منهما نصفه

                                                                                                                                            [ ص: 278 ] ولا يقرع بينهما لأن من أوصى بعتق النصف من كل واحد من عبدين عتق من كل واحد منهما نصفه ولم يكمل العتق في أحدهما بالقرعة كذلك هاهنا .

                                                                                                                                            فإن أراد المزني القرعة بينهما في هذا الموضع كان خطأ منه لما بيناه ، والجواب عنه متفق عليه .

                                                                                                                                            والضرب الثاني : أن تكون الوصية بعتقهما مطلقة ، ليس فيها ما يدل على تبعيض العتق في كل واحد منهما ، فيكون كالموصي بعتقهما معا ، والثلث لا يحتملها لأنه لا فرق في الوصية بعتقهما بين الجمع والتفريق ، فوجب أن يقرع بينهما ليكمل العتق في أحدهما ، كما أقرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ستة أعبد أعتقوا في المرض فأعتق منهم اثنين وأرق أربعة ، لأنه لا يجوز أن يعتقا معا مع زيادتهما على الثلث الذي منع الشرع منه إلا بإجازة الورثة ، ولا يجوز أن يقصد عتق أحدهما من غير قرعة ، لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر ، ولا يجوز تبعيض العتق فيهما ، لأن المقصود من العتق تكميل المنافع بالحرية ، ولذلك إذا أعتق شركا له في عبد ، قوم عليه باقيه لتكميل منافعه بعتق جميعه ، فلم تبق بعد امتناع هذه الوجوه إلا دخول القرعة بينهما ، لتكميل العتق فيمن قرع منهما .

                                                                                                                                            فإن استوت قيمة العبدين وكان قيمة كل واحد منهما ثلث التركة فأيهما قرع عتق جميعه ورق الآخر ، وإن اختلفت قيمة العبدين فكانت قيمة أحدهما ثلث التركة وقيمة الآخر سدسها ، فإن قرع من قيمته الثلث عتق جميعه ورق جميع الآخر ، وإن قرع من قيمته السدس عتق جميعه ونصف الآخر ورق باقيه .

                                                                                                                                            وإن أراد المزني الإقراع بينهما في هذا الموضع ، فقد أصاب في الجواب ، وأخطأ في العبارة ، لأنه مذهب الشافعي وليس بمقيس على مذهبه ، فكان الأصح في عبارته أن يقول : هذا مقتضى قوله ، ولا يقول : هذا قياس قوله .

                                                                                                                                            " وإن كان الخطأ في العبارة مع الصواب في المعنى مغفورا " فإنما أراد الشافعي بقوله : [ عتق ] من كل واحد منهما نصفه ، يعني في الحكم ، ويكمل في أحدهما بالقرعة ، تعويلا على ما أبانه من مذهبه في غير هذا الموضع .

                                                                                                                                            وهذا الجواب متفق عليه إذا ثبتت عدالة الوارثين وعدالة الأجنبيين ، فإن ثبتت عدالة الوارثين وفسق الأجنبيين بطلت الوصية بعتق من شهد بها الأجنبيان ورق جميعه ، وصحت بعتق من شهد بها الوارثان وعتق جميعه .

                                                                                                                                            وإن ثبتت عدالة الأجنبيين وفسق الوارثين ، بطلت الوصية بعتق من شهد له الوارثان ورق جميعه ، وصحت بعتق من شهد له الأجنبيان وعتق جميعه ولا يلزمهما [ ص: 279 ] بالإقرار بعد رد الشهادة أن يعتق من شهدا له بالوصية ، لأنه لا ينفذ العتق بالوصية حتى يعتق بعد الوصية ، وليس يلزم أن يعتق بالوصية إلا من احتمله الثلث ، وقد استوعب الثلث بعتق من شهد له الأجنبيان ، فبطلت في غيره وإن أقر بها الوارثان .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية