الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في خاتم النبوة

( حدثنا قتيبة بن سعيد ) : وفي نسخة أبو رجاء . ( قال ) : قتيبة بن سعيد . ( أنا ) : أي أخبرنا . ( حاتم ) : بكسر التاء . ( بن إسماعيل ) : أخرج حديثه أصحاب الستة . ( عن الجعد ) : بفتح الجيم وسكون العين ، وفي نسخة بالتصغير . ( ابن عبد الرحمن ) : أخرج حديثه الشيخان وغيرهما . ( قال : سمعت السائب ) : بكسر الهمزة . ( بن يزيد ) : روي له خمسة أحاديث مرفوعة : أربعة في البخاري وواحد متفق عليه ، يكنى أبا يزيد الكندي ، ولد في السنة الثانية من الهجرة ، حضر حجة الوداع مع أبيه ومات سنة ثمانين . ( يقول : ذهبت بي ) : الباء للتعدية مع مراعاة المصاحبة ; أي أذهبتني . ( خالتي ) : أي معها . ( إلى النبي ) : وفي نسخة " إلى رسول الله " . ( صلى الله عليه وسلم ) : قال العسقلاني : لم أقف على اسم خالته ، وأما أمه فاسمها علبة ، بضم العين المهملة وسكون اللام بعدها موحدة ، بنت شريح ، أخت مخرمة بن شريح . ( فقالت : يا رسول الله إن ابن أختي وجع ) : بفتح الواو وكسر الجيم ، أي ذو وجع ، بفتح الجيم ، وهو الألم ، وقيل : أي مريض ، والأول أولى ; لأن ذلك الوجع كان في لحم قدمه بدليل أنه وقع في البخاري في أكثر الروايات ، وقع بالقاف المكسورة بدل الجيم ، والوقع بالتحريك هو وجع لحم القدم ، قيل : يقتضي مسحه صلى الله عليه وسلم لرأسه أن مرضه كان برأسه ، ودفع بأنه لا مانع من الجمع وإيثار مسح الرأس لكونه أشرف ، وقال العسقلاني : وفي بعض الروايات وقع بلفظ الماضي قال [ ص: 69 ] ابن بطال : المعروف عندنا بفتح القاف والعين ، فيحتمل أن يكون معناه وقع في الأرض فوصل إلى ما حصل . ( فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسي ) : وروى البيهقي وغيره أن أثر مسحه صلى الله عليه وسلم من رأس السائب لم يزل أسود مع شيب ما سوى رأسه . ( ودعا ) : وفي نسخة " فدعا " . ( لي بالبركة ) : بفتحتين ، أي : النماء والزيادة ، وهو في العمر بدلالة المقام أو في غيره معه أو وحده ، وقد أخرج ابن سعد من طريق عطاء مولى السائب عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال في حقه : " بارك الله فيك " . فاستجيب دعاؤه صلى الله عليه وسلم في حقه ، وفي صحيح البخاري عن الجعد راويه قال : رأيت السائب بن يزيد وهو ابن أربع وتسعين حولا معتدلا ، وقال : قد علمت أني ما متعت بسمعي وبصري إلا ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم . ( وتوضأ ) : أي اتفاقا أو قصد الشرب إلحاقا . ( فشربت من وضوئه ) : الرواية بفتح الواو ، أي : ماء وضوئه ، قال ابن حجر : هو ما أعد للوضوء أو ما فضل عنه أو ما استعمله فيه ، انتهى . والأنسب هو الأوسط ، والأول غير صحيح لمخالفته الأدب ولإبعاد فاء التعقيب عنه ، فتدبر ، ولهذا اقتصر البيضاوي على الاحتمالين ، قال ميرك : والظاهر الاحتمال الثاني من كلام البيضاوي ، وهو ما انفصل عن أعضاء وضوئه ; لأن ملاحظة التبرك والتيمن فيه أقوى وأتم ، وإيراد بعض الفقهاء هذا الحديث في باب أحكام المياه واستدلالهم به على طهارة الماء المستعمل صريح في أنهم رجحوا الاحتمال الأول لما يدل عليه . قلت : لا يظهر ظهور الاحتمال الثاني ، بل قد يتعين الاحتمال الأول لما يدل عليه قوله : " فشربت " حيث لم يقل " فتبركت به " ، ولا يضرنا إيراد بعض الشافعية الحديث في باب أحكام المياه واستدلالهم وترجيحهم ; لأنه لا يصح الاستدلال مع وجود الاحتمال ، ولذا قال القاضي عياض : وللمانع أن يحمله على التداوي ، وقول ميرك : وفيه تأمل ; لأن النجس حرام ، وثبت في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم " ، قلت : هذا محمول على الخمر وإلا فقد ثبت شرب أبوال الإبل للعرنيين بأمره صلى الله عليه وسلم ، وهذا مما يؤيد القول الأول إذ لا ضرورة لحمله على المعنى الثاني المختلف في جوازه مع أن المستعمل في فرض الوضوء لا في التجديد وهو غير معلوم ، ويحتمل أن يكون من خصوصياته صلى الله عليه وسلم كما قيل في فضلاته ، وأغرب الحنفي حيث قال : وللمانع أن يحمله على أنه كان أولا والحكم بعدم طهارته كان من بعده ; لأنه يحتاج إلى دليل صريح وتاريخ صحيح . ( وقمت خلف ظهره ) : أي أدبا أو قصدا وطلبا . [ ص: 70 ] ( فنظرت ) : لانكشاف محله أو لكشفه صلى الله عليه وسلم له ليراه لعلمه به مكاشفة . ( إلى الخاتم ) : ضبط هنا بالفتح لأنه في معنى الطابع أصرح . ( بين كتفيه ) : وفي رواية البخاري : " إلى خاتم بين كتفيه " ، وهو حال من الخاتم أو ظرف لنظرت أو صلة للخاتم ، ويؤيده ما في بعض النسخ المصححة للترمذي : " الخاتم الذي بين كتفيه " ، والرواية فيه بفتح الكاف وكسر التاء ، وفي رواية عنه : ورأيت الخاتم عند كتفيه ، قال القاضي : وهو أثر شق الملكين بين الكتفين ، واعترضه النووي بأن ما قاله باطل ; لأن شقهما إنما كان في صدره وأثره إنما كان خطا واضحا من صدره إلى مراق بطنه ، انتهى . ويؤيده خبر مسلم عن أنس : فلقد كنت أرى أثر المخيط في صدره صلى الله عليه وسلم . قال : ولم يثبت قط أنه بلغ بالشق حتى نفذ من وراء ظهره ، ولو ثبت للزم عليه أن يكون مستطيلا من بين كتفيه إلى بطنه ; لأنه الذي يحاذي الصدر من مسربته إلى مراق بطنه ، قال : وهذه غفلة من هذا الإمام ، ولعل هذا من بعض نساخ كتابه فإنه لم يسمع عليه فيما علمت ، انتهى . وتعقبه العسقلاني بأن سبب التغليظ فهم أن بين الكتفين متعلق بالشق وليس كذلك ، بل بأثر الختم لخبر أحمد وغيره أنه لما شقا صدره قال أحدهما للآخر : خطه ، فخاطه وختم عليه بخاتم النبوة ، فلما ثبت أنه بين كتفيه حمل القاضي جمعا بين الروايتين على أن الشق لما وقع في صدره ثم خيط حتى التأم كما كان ، ووقع الختم بين كتفيه كان كذلك أثر الشق ، ويؤيده ما وقع في حديث شداد بن أوس ، عن أبي يعلى ، وأبي نعيم - في الدلائل - أن : " الملك لما أخرج قلبه وغسله ثم أعاده ختم عليه بخاتم في يده من نور فامتلأ نورا " ، وذلك النبوة والحكمة ، فيحتمل أن يكون ظهر من وراء ظهره عند كتفه الأيسر ; لأن القلب في تلك الجهة ، وفي حديث عائشة عند أبي داود الطيالسي ، والحارث بن أبي أسامة ، وأبي نعيم - في الدلائل أن : " جبريل وميكائيل لما نزلا له من عند البعثة هبط جبريل فألقاني على القفا ، ثم شق عن قلبي فاستخرجه ، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ، ثم ألقاني وختم على ظهري حتى وجدت مس الخاتم في قلبي " . قال : وهذا مستند القاضي فيما ذكر وليس بباطل ، وتقتضي هذه الأحاديث أن الخاتم لم يكن موجودا حين ولادته ففيه تعقب على من زعم أنه ولد به ، وهو قول نقله أبو الفتح ، وقيل : وضع حين وضع نقله مغلطاي ، ووقع مثله في حديث أبي ذر عند أحمد والبيهقي في الدلائل ، وفيه : " جعل خاتم النبوة بين كتفي كما هو الآن " ، وفي رواية : " فوضعه بين كتفيه وقدميه " ، وهذا يشعر بأن الختم وضع في موضعين من جسده صلى الله عليه وسلم ، والعلم عند الله تعالى ، قال ميرك : وروى البيهقي في الدلائل عن شيوخه أنهم قالوا : لما شك الناس في موت النبي صلى الله عليه وسلم وضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه ، فقالت : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رفع الخاتم من بين كتفيه . ثم البينية المذكور تقريبية وإلا فالأصح أنه كان عندا على كتفه الأيسر ، قاله السهيلي لما في خبر مسلم من حديث عبد الله بن سرجس في رواية أبي نعيم أنه قال : فنظرت خاتم النبوة [ ص: 71 ] بين كتفيه عند ناغض كتفه اليسرى . وفي رواية : " غضروف كتفه الأيسر " ، وفي رواية أبي نعيم أنه كان عند كتفه الأيمن ، وروى الحاكم عن وهب بن منبه أنه قال : لم يبعث الله نبيا قط إلا وقد كانت عليه شامة النبوة في يده اليمنى إلا نبينا صلى الله عليه وسلم فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه . قال ميرك : ففي أكثر الروايات أنه بين كتفيه ، فرجح كثير من المحدثين رواية بين الكتفين لكونها أصح وأوضح ، وأعرضوا عن روايتي اليمنى واليسرى لتعارضهما ، واختلفوا هل ولد به أو وضع بعد ولادته ؟ فعند أبي نعيم أنه لما ولد أخرج الملك صرة من حرير أبيض فيها خاتم فضرب على كتفه كالبيضة ، وفي حديث البزار وغيره أنه قيل : يا رسول الله كيف علمت أنك نبي وبم علمت حتى استيقنت ؟ قال : " أتاني اثنان " ، وفي رواية : " ملكان وأنا ببطحاء مكة ، فقال أحدهما لصاحبه : شق بطنه ، فشق بطني ، فأخرج قلبي ، فأخرج منه مغمز الشيطان وعلق الدم فطرحهما ، فقال أحدهما لصاحبه : اغسل بطنه غسل الإناء واغسل قلبه غسل الملاء ، ثم قال أحدهما لصاحبه : خط بطنه ، فخاط بطني وجعل الخاتم بين كتفي ، كما هو الآن ، ووليا عني وكأني أرى الأمر معاينة " . ( فإذا ) : للمفاجأة ، وكون ما بعده مفاجأة باعتبار العلم . ( هو ) : أي الخاتم . ( مثل زر الحجلة ) : بكسر الزاي والراء المشددة وبفتح الحاء المهملة والجيم ، وهي بيت كالقبة لها أزرار كبار وعرى ، وهذا ما عليه الجمهور ، وقيل : المراد بالحجلة : الطائر المعروف ، يقال له بالفارسية كبك وبالعربية القبجة ، وزرها : بيضها ، والمعنى أنه مشبه بها ، ويؤيده الحديث الثاني : " مثل بيضة الحمامة " ، فلا وجه لقول ابن حجر في المعنى الأول هذا هو الصواب كما قاله النووي ، على أن الخطابي ذكر أنه روي بتقديم الراء على الزاي ، والمراد به البيض من أرزت الجرادة إذا كبست ذنبها في الأرض فباضت ، ووقع في بعض نسخ البخاري : قال أبو عبد الله ، والصحيح تقديم الراء على الزاي ، وأما قول التوربشتي : تقديم الراء ليس بمرضي فمحمول على أن الأول هو المعمول عليه لا على أنه معلل ، والله أعلم ، وزاد البخاري : وكان - أي الخاتم - ينم أي يفوح مسكا ، وفي مسلم : جمع ، بضم جيم وسكون ميم ، عليه خيلان كأنه الثآليل السود عند نغض كتفه ، بنون مضمومة وتفتح فمعجمتين : أعلى كتفه . وفي مسلم أيضا : كبيضة الحمام ، وفي صحيح الحاكم : شعر مجتمع مثل السلعة ، بكسر السين قطعة ناتئة ، وللمصنف - كما سيأتي - بضعة ناشزة ، وللبيهقي والمصنف : كالتفاحة ، ولابن عساكر : كالبندقة ، وللسهيلي : كأثر المحجم القابضة على اللحم ، ولابن أبي خيثمة : شامة خضراء مختفرة أيضا في اللحم ، وله أيضا : شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متراكبات كأنها عرف الفرس ، وللقطاعي : ثلاث شعرات مجتمعات ، وللترمذي الحكيم : كبيضة حمام مكتوب بباطنها : الله وحده لا شريك له ، وبظاهرها : توجه حيث كنت فإنك منصور ، ولابن عابد : كان نورا يتلألأ ، قال بعض العلماء : وليست هذه الروايات مختلفة حقيقة بل كل شبه بما سنح له ، ومؤدى الألفاظ كلها واحد ; وهو قطعة لحم ، ومن قال : إنه شعر ; فلأن الشعر حوله متراكب عليه كما في الرواية الأخرى ، قال القرطبي : الأحاديث الثابتة تدل على أن خاتم النبوة كان شيئا بارزا أحمر عند كتفه الأيسر ، إذا قلل جعل كبيضة الحمام ، وإذا كثر جعل كجمع اليد ، وقال القاضي : رواية " جمع [ ص: 72 ] الكف " يخالفه " بيضة الحمام " ، " وزر الحجلة " فتؤول على وفق الروايات الكثيرة أو كهيئة الجمع لكنه أصغر منه في قدر بيضة الحمامة ، وقال العسقلاني : ورواية : " كأثر محجم أو كركبة عنز أو كشامة خضراء أو سوداء مكتوب فيها محمد رسول الله أو سر فإنك المنصور " لم يثبت منها شيء وتصحيح ابن حبان ذلك وهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث