الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( حدثنا حميد بن مسعدة ، أخبرنا بشر بن المفضل أنبأنا ) وفي نسخة أخبرنا ( الجريري ) بضم الجيم ، وفتح الراء الأولى ، فتحتية ساكنة ، هو سعيد بن إياس مر ذكره ( عن عبد الرحمن بن بكرة ) البصري التابعي ، وهو أول مولود ولد في الإسلام في بصرة ، روى عنه الشيخان وغيرهما ( عن أبيه ) أبي بكرة نفيع بن الحارث صحابي مشهور بكنيته ، نزل الطائف حين نادى المسلمون من نزل من الحصار فهو حر من البكرة ، فسمي بها ( قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا ) بهمزة استفهام ، ولا نافية ( أحدثكم ) وفي نسخة : ألا أخبركم ( بأكبر الكبائر ) أي بجنس معصية هي أكبر المعاصي الكبار ، فلا يرد ما قال العصام أن تعدد الكبائر مشكل ; لأن معناه كبيرة أكبر من جميع ما عداه من الكبائر ، وأجاب بأن الموصوف به إذا كان متعددا كان المعنى متعددا من الكبائر كل منه أكبر من جميع ما عدا ذلك المتعدد ، وقال الحنفي : ظاهر الحديث يدل على أن أكبر الكبائر متعدد ، وهذا بأن يقصد بالأكبر الزيادة على ما أضيف إليه ، لا الزيادة المطلقة كما بين في موضعه ، قال ميرك : قوله : " ألا أحدثكم " في بعض الروايات الصحيحة ، " ألا أخبركم " ، وفي بعض الطرق : " ألا أنبئكم " ، ومعنى الكل واحد ، ووقع في بعض الطرق الصحيحة : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر " ثلاثا ، وإنما أعادها ثلاثا اهتماما بشأن الخبر المذكور ، وأنه أمر له شأن ، ومن قال : إنما المراد بقوله ثلاثا عدد الكبائر ، وهو حال ، فقد أبعد عن المرام في هذا المقام ، والله أعلم ، ثم قوله : بأكبر الكبائر ، وهو مفعول [ ص: 224 ] بالواسطة لأحدثكم ، والكبائر جمع كبيرة وهي ما توعد الشارع عليه بخصوصه ، بحد في الدنيا وبعذاب في العقبى ، كذا قاله جمع من العلماء ، وفي حديث مرفوع ضعيف ، الكبيرة كل ذنب أدخل صاحبه النار ، أي جعله مستحقا لدخوله إياها ; ولهذا هي عند ابن عباس ومن تبعه كالإسفراييني كل منهي عنه ، فليس عنده صغيرة ، نظرا لمن عصى ، وكأنهم جعلوا قوله تعالى : كبائر ما تنهون عنه من باب الإضافة البيانية ، وقال جماعة منهم الواحدي وغيره : حدها مبهم علينا ، كما أبهم علينا الاسم الأعظم ، وليلة القدر ، وساعة الجمعة ، ووقت إجابة الدعاء ليلا ، والصلاة الوسطى ، وحكمته هنا : الامتناع من كل معصية خوفا من الوقوع في الكبيرة ، قال ابن حجر : والصحيح بل الصواب أن من الذنوب كبائر وصغائر ، وأن للكبيرة حدا ، فقيل : هي ما فيه حد ، وقيل : ما ورد فيه وعيد شديد في الكتاب أو السنة ، وإن لم يكن فيه حد ، وهو الأصح ، وقيل : إنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ، ويؤيده ما ورد لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار ، وقد عدد الفقهاء منها جملا مستكثرة ، كقتل نفس ، وزنا ، ولواطة ، وشرب خمر ، وسرقة وقذف ، وشهادة زور ، وكتم شهادة ، ويمين غموس ، وغصب ما يقطع بسرقته ، وفرار من الكفار بلا عذر ، وربا وأخذ مال يتيم ، ورشوة وعقوق أصل ، وقطع رحم وكذب على النبي صلى الله عليه وسلم عمدا ، وإفطار في رمضان غدوا ، وبخس كيل أو وزن أو ذراع ، وتقديم مكتوبة على وقتها ، وتأخيرها عنه ، وترك زكاة ، وضرب مسلم أو ذمي عدوانا ، وسب صحابي وغيبة عالم أو حامل قرآن ، وسعاية عند ظالم ، ودياثة وقيادة وترك أمر بمعروف ونهي عن منكر من قادر ، وتعلم سحر أو تعليمه أو عمله ، ونسيان حرف من القرآن بعد البلوغ ، وإحراق حيوان بغير ضرورة ، ويأس من رحمة الله تعالى ، وأمن من مكره ، ونشوز زوجة ، وإباء حليلة من حليلها عدوا ، ونميمة ، وحكي أن الغيبة كبيرة مطلقا بالإجماع نعم تباح لأسباب مذكورة في كتب الفقه ، وحصر الصغائر متعذر ( قالوا : بلى يا رسول الله ) فائدة النداء مع عدم الاحتياج إليه الإشارة إلى عظم الإذعان لرسالته المصطفوية ، وما ينشأ عنها من بيان الشريعة ، واستجلاب ما عنده من الكمالات العلية ( قال : الإشراك بالله ) الإشراك جعل أحد شريكا لآخر ، والمراد هنا اتخاذ إله غير الله ، كذا قاله الحنفي ، والأظهر أن المراد به الكفر ، كما قاله ابن حجر ، قال ميرك : [ ص: 225 ] يحتمل أن يكون المراد مطلق الكفر ، ويكون تخصيصه بالذكر لغلبته في الوجود ، لا سيما في بلد العرب ، فذكره تنبيها على غيره ، ويحتمل أن يراد به خصوصه ، إلا أنه يرد عليه أن بعض الكفر أعظم قبحا من الإشراك ، وهو التعطيل ; لأنه نفي مطلق ، والإشراك ثبات مقيد ، فيترجح الاحتمال الأول ( وعقوق الوالدين ) أي عصيانهما أو أحدهما ، وجمعهما لأن عقوق أحدهما يستلزم عقوق الآخر غالبا ، ويجر إليه ، كذا قاله ابن حجر ، والأظهر أن يقال : المراد عقوق كل من الوالدين ، وفي معناهما الأجداد ، ثم العقوق بضم العين المهملة مخالفة من حقه واجب مشتق من العق ، وهو القطع والمراد صدور ما يتأذى به الوالد من ولده من قول أو فعل ، قال تعالى : فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما إلا في شرك ومعصية ، قال تعالى : وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ففي الآية تنبيه على أن عقوق الوالدين حرام ، ولو كانا كافرين ، وفي الحديث : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وضبطه ابن عطية بوجوب طاعتهما في المباحات فعلا وتركا ، واستحبابهما في المندوبات ، وفروض الكفايات كذلك ، ومنه تقديمهما عند معارضة الأمرين ، قال ابن حجر : قيل : ضابطه أن يعصيه في جائز ، وليس هذا الإطلاق بمرضي ، والذي آل إليه أمر أئمتنا أن ضابطه أن يفعل منه ما يتأذى به تأذيا ليس بالهين في العرف .

قلت : حاصله أن العقوق مخالفة توجب الغضب ، وأما ما دونه فمن الصغائر ، ويؤيده ما ورد : رضا الرب في رضا الوالد ، وسخط الرب في سخط الوالد ، رواه الترمذي والحاكم عن ابن عمرو ، والبزار عن ابن عمرو ، لا شك أن بين الرضا والسخط حالا متوسطا ، فقوله تعالى : ( فلا تقل لهما أف ) من باب المبالغة في الزجر عن المخالفة .

قيل : القتل والزنا أكبر من العقوق بل قيل لا خلاف أن أكبر الذنوب بعد الكفر قتل نفس مسلمة بغير حق فلم حذفا ، وأجيب بأنه علم من أحاديث أخر على أنه صلى الله عليه وسلم ، كان يراعي في مثل ذلك أحوال الحاضرين ، كقوله مرة : أفضل الأعمال الصلاة لأول وقتها ، وأخرى أفضل الأعمال الجهاد ، وأخرى أفضل الأعمال بر الوالدين ، ونحو ذلك ( قال ) أي أبو بكرة ( وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ) تنبيها على عظم إثم شهادة الزور ( وكان متكئا ) أي قبل الجلسة والجملة ، حال ، وهو يشعر بأنه اهتم بذلك حتى جلس بعد أن كان متكئا ، ويفيد ذلك تأكيد تحريمه ، وعظم قبحه ، وسبب الاهتمام بذلك كون قول الزور أو شهادة الزور أسهل وقوعا على الناس ، والتهاون بهما أكثر ، فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم ، والعقوق يصرف عنه الطبع السليم ، والعقل القويم ، وأما الزور فالحوامل والبواعث عليه كثيرة ، كالعداوة والحسد وغيرهما ، فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه ، وليس ذلك لتعظيمه بالنسبة إلى ما ذكر معه من الإشراك قطعا ، بل لكون مفسدته متعدية إلى الشاهد وغيره أيضا ، بخلاف الإشراك فإن مفسدته قاصرة غالبا ، وقيل : خص شهادة الزور بذلك ; لأنها تشمل الكافر إذ هو شاهد زور ، وقيل : لأنه في المستحل وهو كافر ، والأوجه أن سبب ذلك أنه يترتب عليها الزنا والقتل وغيرهما ، فكانت أبلغ ضررا من هذه الحيثية ، فنبه على ذلك بجلوسه وتكريره ذلك فيها ، [ ص: 226 ] دون غيرها ، ويمكن أن يقال وجه إدخال العقوق بين الإشراك ، وبين قول الزور الذي من جملة أفراده كلمة الكفر ، هو أن العقوق قد يؤدي إلى الكفر على ما أخرج الدارقطني والبيهقي ، في شعب الإيمان ، وفي دلائل النبوة أيضا ، عن عبد الله بن أبي أوفى ، قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله إن هاهنا غلاما قد احتضر ، فيقال له : قل : لا إله إلا الله فلا يستطيع أن يقولها ، قال : أليس كان يقولها في حياته ، قالوا : بلى قال ، فما منعه منها عند موته ، فنهض النبي صلى الله عليه وسلم ، ونهضنا معه ، حتى أتى الغلام ، فقال : يا غلام قل : لا إله إلا الله ، قال : لا أستطيع أن أقولها ، قال : ولم ، قال : لعقوق والدتي ، قال : أهي حية ؟ قال : نعم ، قال : أرسلوا إليها ، فجاءته فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ابنك هو ؟ قالت : نعم ، قال : أرأيت لو أن نارا أججت ، فقيل لك : إن لم تشفعي فيه قذفناه في هذه النار ، فقالت : إذا كنت أشفع له ، قال : فأشهدي الله ، وأشهدينا بأنك قد رضيت عنه ، فقالت : قد رضيت عن ابني ، قال : يا غلام قل : لا إله إلا الله ، فقال : لا إله إلا الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحمد لله الذي أنقذه بي من النار ، ذكره السيوطي في شرح الصدور .

قال الحنفي : وهذا يدل على أن الاتكاء وقع منه صلى الله عليه وسلم ، ولا يدل على التكأة ، فهذا الحديث أنسب لباب الاتكاء من باب التكأة ، وكذا الحال في الحديث الذي ذكره بعده ، ودفعه ابن حجر بأن الاتكاء مستلزم للتكأة ، فكأنها مذكورة ، انتهى .

وفيه من البحث ما لا يخفى ، وفي الحديث أن الاتكاء في الذكر ، وإفادة العلم بمحضر المستفيدين منه لا ينافي الأدب والكمال ، ذكره ابن حجر ، والأظهر أنه يختلف باختلاف الأشخاص والأعصار والأماكن والأزمان ، ( قال ) أي النبي صلى الله عليه وسلم استئناف بيان ، فكان سائلا ، قال : ما فعل بعد ما جلس ، فقال : قال : ( وشهادة الزور ) عطف على ما سبق أي ، وأكبر الكبائر شهادة الزور ، والواو لمطلق الجمع ، فلا يرد أنها أعظم من العقوق ، وفي النهاية الزور بضم الزاي : الكذب والباطل والتهمة ، وقال الطبري : أصل الزور تحسين الشيء ، ووصفه بخلاف صفته ، حتى يخيل لمن سمعه بخلاف ما هو به ، وقيل للكذب : زور ; لأنه مائل عن جهته ( أو قول الزور ) وهو أعم مطلقا من شهادة الزور ، أو شك من الراوي ، ذكره الحنفي ، والأظهر أنه للتنويع .

وعند البخاري لا شك فيها ، وهي " ألا وقول الزور ، ألا وقول الزور ، وشهادة الزور ، فما زال يقولها حتى قلنا : ألا سكت " ، وكذا وقع في العمدة بالواو ، وقال ابن دقيق العيد : يحتمل أن يكون من الخاص بعد العام ، لكن ينبغي أن يحمل على التأكيد ، ويجعل من باب العطف التفسيري ، فإنا لو حملنا القول على الإطلاق ، لزم أن يكون الكذبة الواحدة مطلقا كبيرة ، وليس كذلك ، قال ميرك : ولا شك أن أعظم الكذب ومراتبه متفاوتة ، بحسب تفاوت مراتبه ، ومنه قوله تعالى : ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا وقال غيره : يجوز أن يكون عطف الخاص على العام ; لأن كل شهادة زور قول زور من غير عكس ، ويحتمل قول الزور على نوع خاص منه .

قال القرطبي : شهادة الزور هي الشهادة بالكذب ليتوصل بها إلى الباطل من [ ص: 227 ] إتلاف نفس أو أخذ مال ، أو تحليل حرام ، أو تحريم حلال ، فلا شيء أعظم ضررا منه ، ولا أكثر فسادا بعد الشرك بالله ، ( قال ) أي أبو بكرة ( فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولها ) أي هذه الكلمة أو الجملة ، وهي قوله : شهادة الزور ، أو قول الزور ، وأما قول ابن حجر : والضمير في يقولها هنا لقوله : ألا وما بعدها في رواية البخاري ، خلافا لمن وهم فيه ، ففي غاية من البعد ( حتى قلنا : ليته سكت ) أي تمنينا أنه سكت إشفاقا عليه ، وكراهية لما يزعجه كيلا يتألم صلى الله عليه وسلم ، وقيل : خوفا من أن يجري على لسانه ما يوجب نزول العذاب ، وفي الحديث بيان ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه ، والمحبة والشفقة عليه ، وفيه أن الواعظ والمفيد ينبغي له أن يتحرى التكرار والمبالغة ، وإتعاب النفس في الإفادة ، حتى يرحمه السامعون والمستفيدون .

التالي السابق


الخدمات العلمية