الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في صفة إدام رسول الله صلى الله عليه وسلم

( حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن ) يعني الدارمي ( حدثنا سعيد ) بالياء ( بن سليمان عن عباد ) بتشديد الموحدة ( بن العوام ) بتشديد الواو ( عن حميد ) بالتصغير ( عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الثفل ) بضم المثلثة ويكسر ، وسكون الفاء وهو في الأصل ما يرسب من كل شيء ، أو ما يبقى بعد العصر ، وقد يطلق على ما بقي في آخر الوعاء من نحو الدقيق والسويق ، ومنه ما ورد في الحديبية : " من كان معه ثفل فليصطنع " ( قال عبد الله ) أي شيخ المصنف ( يعني ) أي يريد أنس بالثفل ( ما بقي من الطعام ) أي في القدر ، ولعل وجه إعجابه أنه منضوج غاية النضج القريب إلى الهضم ، فهو أهنأ وأمرأ أو ألذ .

وفيه إشارة إلى التواضع والصبر والقناعة بالقليل ، وإيماء إلى قوله صلى الله عليه وسلم : " ساقي القوم آخرهم شربا " ، رواه الترمذي وغيره ، أو في الصحفة ويؤيده ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من أكل في قصعة فلحسها استغفرت له القصعة ، رواه أحمد ، والترمذي وابن ماجه عن عائشة ، وقيل : الثفل هو الثريد ، وهو مختار صاحب النهاية ، ونقل ميرك عن السيد أصيل الدين أن الثفل بكسر المثلثة وضمها وهو أفصح وسكون الفاء ، وفسره شيخ الترمذي وهو الإمام الدارمي بما بقي من الطعام ، وقال الشارح : المظهر أي : في القدر ، وهو المشهور عند أهل الحديث ، والمسموع من أفواه المشايخ ، وقال زين العرب : أي ما بقي في القصعة ، ويقال : في وجه إعجابه ما بقي في القدر أنه أقل دهانة ، فيكون أسرع انهضاما ، وقيل : لأنه يجمع طعوما في القدر فيكون ألذ ولما تقرر أن دأبه صلى الله عليه وسلم الإيثار ، وملاحظة الغير من الأهل والعيال والضيفان ، وأرباب الحوائج ، وتقديمهم على نفسه لا جرم كان يصرف الطعام الواقع في أعالي القدر والظروف إليهم ، ويختار لخاصته ما بقي منه في الأسافل رعاية لسلوك سبيل التواضع ، وكثير من أغبياء الأغنياء يتكبرون ويأنفون من أكل الثفل ، ويصبونه والله تعالى جعل بجميل حكمته في [ ص: 282 ] جميع أقواله وأفعاله وأحواله صلى الله عليه وسلم صنوف اللطائف ، وألوف المعارف والظرائف فطوبى لمن عرف قدره ، واقتفى أثره ، والله الموفق ، هذا وقال الشراح : لقد أعجب المصنف فختم الباب بهذا الحديث ، إشارة إلى أنه ثفل الأحاديث ، وما بقي منها ، قال ابن حجر : وفيه ما فيه في تعبيره بالثفل ما قد يحسن فيه رد ، وفي القاموس الثفل ما استقر تحت الشيء من كدرة ، وكان هذا هو الحامل على تفسير الراوي له بما ذكر حذرا من أن يتوهم منه إسناد هذا المعنى غير المراد ، أقول : الأظهر أن يقال في إيراد هذا الحديث المشتمل آخره على ما بقي من الطعام صنعة حسن المقطع ، ختما للباب ، والله أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث