الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب حد الشرب

جزء التالي صفحة
السابق

( والسكران الذي يحد هو الذي لا يعقل منطقا لا قليلا ولا كثيرا ولا يعقل الرجل من المرأة ) قال العبد الضعيف ( وهذا عند أبي حنيفة ، وقالا : هو الذي يهذي ويختلط كلامه ) لأنه هو السكران في العرف ، وإليه مال أكثر المشايخ [ ص: 313 ] وله أنه يؤخذ في أسباب الحدود بأقصاها درءا للحد . ونهاية السكران يغلب السرور على العقل فيسلبه التمييز بين شيء وشيء ، وما دون ذلك لا يعرى عن شبهة الصحو ، والمعتبر في القدح المسكر في حق الحرمة ما قالاه بالإجماع أخذا بالاحتياط [ ص: 314 ] والشافعي يعتبر ظهور أثره في مشيته وحركاته وأطرافه وهذا مما يتفاوت فلا معنى لاعتباره .

التالي السابق


( قوله والسكران الذي يحد ) لسكره من غير الخمر عند أبي حنيفة ( هو الذي لا يعقل منطقا لا قليلا ولا كثيرا . ولا يعقل الرجل من المرأة ) زاد في الفوائد الظهيرية : ولا الأرض من السماء ( وقالا : هو الذي يهذي ويخلط ) وبه قال الأئمة الثلاثة . ولما لم يذكر الخلاف في الجامع الصغير ذكره المصنف . والمراد أن يكون غالب كلامه هذيانا ، فإن كان نصفه مستقيما فليس بسكران فيكون حكمه حكم الصحاة في إقراره بالحدود وغير ذلك ، لأن السكران في العرف من اختلط كلامه جده بهزله فلا يستقر على شيء ( وإليه مال أكثر المشايخ ) واختاروه للفتوى لأن المتعارف إذا كان [ ص: 313 ] يهذي يسمى سكران وتأيد بقول علي : إذا سكر هذى ( ولأبي حنيفة أنه يؤخذ في أسباب الحدود بأقصاها درءا ) بدليل الإلزام في شهادة الزنا أن يقول كالميل في المكحلة وفي السرقة بالأخذ من الحرز التام لأن فيما دون ذلك شبهة الصحو فيندرئ الحد .

وأما في ثبوت الحرمة فما قالا فاحتاط في أمر الحد وفي الحرمة ، وإنما اختاروا للفتوى قولهما لضعف وجه قوله وذلك أنه حيث قال تؤخذ في أسباب الحدود بأقصاها فقد سلم أن السكر يتحقق قبل الحالة التي عينها وأنه تتفاوت مراتبه وكل مرتبة هي سكر ، والحد إنما أنيط في الدليل الذي أثبت حد السكر بكل ما يسمى سكرا لا بالمرتبة الأخيرة منه ، على أن الحالة التي ذكر قلما يصل إليها سكران فيؤدي إلى عدم الحد بالسكر . وروى بشر عن أبي يوسف اعتبار السكر بقراءة سورة { قل يا أيها الكافرون } ولا شك أن المراد ممن يحفظ القرآن أو كان حفظها فيما حفظ منه لا من لم يدر شيئا أصلا . قال بشر : فقلت لأبي يوسف : كيف أمرت بها من بين السور فربما يخطئ فيها العاقل الصاحي ؟ قال : لأن الله بين أن الذي عجز عن قراءتها سكران : يعني به ما في الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا فأكلنا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا ، وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت { قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } ونحن نعبد ما تعبدون ، قال : فأنزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } ولا ينبغي أن يعول على هذا بل ولا يعتبر به فإنه طريق سماع تبديل كلام الله عز وجل فإنه ليس كل سكران إذا قيل له اقرأ { قل يا أيها الكافرون } يقول لا أحسنها الآن بل يندفع قارئا فيبدلها إلى الكفر ، ولا ينبغي أن يلزم أحد بطريق ذكر ما هو كفر وإن لم يؤاخذ به .

نعم لو تعين طريقا لإقامة حكم الله تعالى ، لكن ليس كذلك فإن معرفة السكران لا تتوقف عليه بل له طريق معلوم هي ما ذكرنا . وقوله تعالى { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } لمن لم يحسنها لا يوجب قصر المعرف عليه . وقوله ( وما دون ذلك لا يعرى عن شبهة الصحو ) ممنوع ، بل إذا حكم العرف واللغة [ ص: 314 ] بأنه سكران بمقدار من اختلاف الحال حكم بأنه سكران بلا شبهة صحو ، وما معه من ذلك القدر من التمييز لم يجعل شبهة في أنه سكران ، وإذا كان سكران بلا شبهة حد فالمعتبر ثبوت الشبهة في سكره في نفي الحد لا ثبوت شبهة صحوه .

وعرف مما ذكر أن من استدل لأبي حنيفة رضي الله عنه بهذه الآية على أن السكر هو أن لا يعقل منطقا إلخ غريق في الخطأ لأنها في علي وأصحابه ولم يصل سكرهم إلى ذلك الحد كما علمت من أنهم أدركوا الوجوب وقاموا للإسقاط وجعلهم سكارى فهي تفيد ضد قوله .

وأما قوله تعالى { حتى تعلموا } الآية فإنما أطلق لهم الصلاة حتى يصحوا كل الصحو بأن يعلموا جميع ما يقولون خشية أن يبدلوا بعض ما يقولون ، وليس فيه أن من مراتب السكر كذا وكذا ، بل أن من وصل إلى ذلك الحد الذي كانوا فيه سمي سكران ، وكون المقدار الذي هو سبب للحد ما هو لا تعرض له بوجه . وقول المصنف ( والشافعي يعتبر ظهور أثره في مشيته وحركاته وأطرافه ) يفيد أن المراد من الإجماع في قوله والمعتبر في القدح المسكر ما قالاه بالإجماع الإجماع المذهبي وإلا لم يكن للشافعي قول آخر يخالف قولهما . واعترضه شارح بأنه قلد فيه فخر الإسلام وفيه نظر فإن الشافعي يوجب الحد في شرب النبيذ المسكر جنسه وإن قل ، ولا يعتبر السكر أصلا .

ولا يخفى أنه ليس بلازم من نقل قول الشافعي في تحديد السكر ما هو اعتقاد الناقل أن الشافعي يحد بالسكر ، بل الحاصل أنه لما قال يحد بالسكر عندنا حد السكر مطلقا عنهما وعن الشافعي ومفصلا عن الإمام : أي هو باعتبار اقتضائه الحد هو أقصاه ، وباعتبار مجرد الحرمة هو ما ذكرتم . وجاز أن يكون بعض من فسر السكر يحد بلا سكر ، وإنما فسره باعتبار آخر كأن حلف بطلاق أو عتاق ليشربن حتى يسكر فيحده ليعلم متى يقع الطلاق والعتاق وغير ذلك ، ثم أبطله بأن هذا يتفاوت : أي لا ينضبط فكم من صاح يتمايل ويزلق في مشيته وسكران ثابت وما لا ينضبط لا يضبط به ، ولأن الذي وقع في كلام علي رضي الله عنه بحضرة الصحابة اعتبار بالأقوال لا بالمشي حيث قال إذا سكر هذى إلخ



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث