الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وإن علق النذر بشرط فوجد الشرط فعليه الوفاء بنفس النذر ) لإطلاق الحديث ، [ ص: 93 ] ولأن المعلق بالشرط كالمنجز عنده ( وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه رجع عنه وقال : إذا قال إن فعلت كذا فعلي حجة أو صوم سنة أو صدقة ما أملكه أجزأه من ذلك كفارة يمين . وهو قول محمد رحمه الله ) ويخرج عن العهدة بالوفاء بما سمى أيضا . وهذا إذا كان شرطا لا يريد كونه لأن فيه معنى اليمين وهو المنع وهو بظاهره نذر فيتخير ويميل إلى أي الجهتين شاء ، بخلاف ما إذا كان شرطا يريد كونه كقوله إن شفى الله مريضي لانعدام معنى اليمين فيه وهذا التفصيل هو الصحيح .

التالي السابق


( قوله وإن علق النذر بشرط فوجد الشرط فعليه الوفاء بنفس النذر لإطلاق الحديث ) الذي رويناه [ ص: 93 ] من البخاري وغيره فإنه أمر بذلك من غير تقييد بمنجز ولا معلق . ولأن المعلق بالشرط كالمنجز عنده فصار كأنه قال عند الشرط لله علي كذا . وعن أبي حنيفة رحمه الله عنه أنه رجع عنه : أي عن لزوم عين المنذور إذا كان معلقا بالشرط : أي أنه مخير بين فعله بعينه وكفارة يمين وهو قول محمد .

فإذا قال إن فعلت كذا فعلي حجة أو صوم سنة إن شاء حج أو صام سنة وإن شاء كفر . فإن كان فقيرا صار مخيرا بين صوم سنة وصوم ثلاثة أيام ، والأول وهو لزوم الوفاء به عينا هو المذكور في ظاهر الرواية . والتخيير عن أبي حنيفة في النوادر .

وروي عن عبد العزيز بن خالد الترمذي قال : خرجت حاجا فلما دخلت الكوفة قرأت كتاب النذور والكفارات على أبي حنيفة ، [ ص: 94 ] فلما انتهيت إلى هذه المسألة قال قف . فإن من رأيي أن أرجع ، فلما رجعت من الحج إذا أبو حنيفة قد توفي ، فأخبرني الوليد بن أبان أنه رجع قبل موته بسبعة أيام وقال يتخير ، وبهذا كان يفتي إسماعيل الزاهد .

وقال الولوالجي : مشايخ بلخ وبخارى يفتون بهذا وهو اختيار شمس الأئمة . قال : لكثرة البلوى في هذا الزمان . وجه الظاهر النصوص من الآية الكريمة والأحاديث . ووجه رواية النوادر ما في صحيح مسلم من حديث عقبة بن عامر عنه صلى الله عليه وسلم قال { كفارة النذر كفارة اليمين } فهذا يقتضي أن يسقط بالكفارة مطلقا فيتعارض فيحمل مطلق الإيفاء بعينه على المنجز . ومقتضى سقوطه بالكفارة على المعلق . ولا يشكل لأن المعلق منتف في الحال فالنذر فيه معدوم فيصير كاليمين في أن سبب الإيجاب وهو الحنث منتف حال التكلم فيلحق به . بخلاف النذر المنجز لأنه نذر ثابت في وقته فيعمل فيه حديث الإيفاء .

واختار المصنف والمحققون أن المراد بالشرط الذي تجزئ فيه الكفارة الشرط الذي لا يريد كونه مثل دخول الدار وكلام فلان ، فإنه إذا لم يرد كونه يعلم أنه لم يرد كون المنذور حيث جعله مانعا من فعل ذلك الشرط لأن تعليق النذر على ما لا يريد كونه بالضرورة يكون لمنع نفسه عنه فإن الإنسان لا يريد إيجاب العبادات دائما وإن كانت مجلبة للثواب مخافة أن يثقل فيتعرض للعقاب ، ولهذا صح عنه صلى الله عليه وسلم { أنه نهى عن النذر وقال إنه لا يأت بخير } الحديث ، وأما الشرط الذي يريد كونه مثل قوله إن شفى الله مريضي أو قدم غائبي أو مات عدوي فلله علي صوم شهر فوجد الشرط لا يجزيه إلا فعل عين المنذور .

لأنه إذا أراد كونه كان مريدا كون النذر فكان النذر في معنى المنجز فيندرج في حكمه وهو وجوب الإيفاء به فصار محمل ما يقتضي الإيفاء المنجز والمعلق المراد كونه ، ومحمل ما يقتضى إجزاء الكفارة المعلق الذي لا يراد كونه وهو المسمى عند طائفة من الفقهاء نذر اللجاج . ومذهب أحمد فيه كهذا التفصيل الذي اختاره المصنف .

واستدل ابن الجوزي في التحقيق للاكتفاء في خصوص هذا النذر بحديث مسلم مع أنه مطلق ، وليس هذا إلا لما قلنا ، وهذا التقرير أولى مما قيل لأن الشرط إذا لم يرد كونه كان في معنى اليمين فإنها تعقد للمنع فأجزأ فيه الكفارة . بخلاف الذي يريد كونه فإنه ورد على هذا التقرير أن اليمين كما يكون للمنع يكون للحمل فلا يختص معناها بما لا يراد كونه فالفرق على هذا تحكم .




الخدمات العلمية