الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ومن قال لآخر : أعتق أمتك على ألف درهم على أن تزوجنيها ففعل فأبت أن تتزوجه فالعتق جائز ولا شيء على الآمر ) ; لأن من قال لغيره أعتق عبدك على ألف درهم علي ففعل لا يلزمه شيء ويقع العتق على المأمور ، بخلاف ما إذا قال لغيره طلق امرأتك على ألف درهم علي ففعل حيث يجب الألف على الآمر ; لأن اشتراط البدل على الأجنبي في الطلاق جائز وفي العتاق لا يجوز [ ص: 17 ] وقد قررناه من قبل . ( ولو قال : أعتق أمتك عني على ألف درهم والمسألة بحالها قسمت الألف على قيمتها ومهر مثلها ، فما أصاب القيمة أداه الآمر ، وما أصاب المهر بطل عنه ) ; لأنه لما قال عني تضمن الشراء اقتضاء على ما عرف ، وإذا كان كذلك فقد قابل الألف بالرقبة شراء وبالبضع نكاحا فانقسم عليهما ، ووجبت حصة ما سلم له وهو الرقبة وبطل عنه ما لم يسلم وهو البضع ، فلو زوجت نفسها منه لم يذكره . وجوابه أن ما أصاب قيمتها سقط في الوجه الأول وهي للمولى في الوجه الثاني ، وما أصاب مهر مثلها كان مهرا لها في الوجهين .

التالي السابق


( قوله : ومن قال لآخر أعتق أمتك على ألف درهم على أن تزوجنيها ) وفي بعض النسخ زيادة لفظ علي قبل على أن تزوجنيها وليس في عامة النسخ ، وهي أدل منه على إيجاب المال على المتكلم وإن كان ذلك مع تركها أيضا ، فإذا عتق فإما أن تزوجه أو لا ولا يلزمها تزوجه ; لأنها ملكت نفسها بالعتق ، فإن لم تتزوجه لا يجب على الآمر شيء أصلا ; لأن حاصل كلامه أمره المخاطب بإعتاقه أمته وتزويجها منه على عوض ألف مشروطة عليها عنها وعن مهرها ، فلما لم تتزوجه بطلت عنه حصة المهر منها ، وأما حصة العتق فباطلة إذ لا يصح اشتراط بدل العتق على الأجنبي ، بخلاف الخلع ; لأن الأجنبي فيه كالمرأة لم يحصل لها ملك ما لم تكن تملكه ، بخلاف العتق فإنه يثبت للعبد فيه قوة حكمية وهي ملك البيع والشراء والإجارة والتزويج والتزوج وغير ذلك من الشهادات والقضاء ، ولا يجب العوض إلا على من حصل له المعوض ، وإن تزوجته قسمت الألف على قيمتها ومهر مثلها ، فما أصاب قيمتها سقط منه ، وما أصاب مهرها وجب لها عليه فإن استويا بأن كان قيمتها مائة ومهرها مائة أو كان مهرها ألفا وقيمتها ألفا سقط عنه خمسمائة ووجب خمسمائة عليه ، وإن تفاوتا بأن كان قيمتها مائتين أو ألفين ومهرها مائة أو ألفا سقط ستمائة وستة وستون وثلثان ووجب لها ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث .

وقوله : وقد قررناه من قبل : يعني ما ذكر في خلع الأب ابنته الصغيرة حيث قال ; لأن اشتراط بدل الخلع على الأجنبي صحيح ، لكنه [ ص: 17 ] لم يذكر أن اشتراط بدل العتق على الأجنبي غير صحيح . ( قوله : ولو قال أعتق أمتك عني على ألف درهم ) على أن تزوجنيها وهو معنى قوله والمسألة بحالها ففعل : أي أعتق قسمت الألف على قيمتها ، ومهر مثلها على ما بيناه ، فما أصاب قيمتها أداه للمأمور وما أصاب المهر سقط عنه : يعني إن لم تكن زوجت نفسها منه ، وإن زوجت نفسها وجب لها عليه ، وإنما وجب للمأمور حصة قيمته هنا ; لأنه لما قال عني تضمن الشراء اقتضاء على ما عرف في الأصول والفروع ، لكنه ضم إلى رقبتها تزويجها وقابل المجموع بعوض ألف فانقسمت عليهما بالحصة ، وكان هذا [ ص: 18 ] كمن جمع بين عبده ومدبره في البيع بألف حيث يصح البيع وينقسم على قيمتهما ، فما أصاب قيمة المدبر سقط وما أصاب قيمة العبد وجب ثمنا بناء على دخول المدبر في البيع لكونه مالا ثم خروجه باستحقاقه نفسه ، ومنافع البضع وإن لم تكن مالا لكن أخذت حكم المال ; لأنها متقومة حال الدخول وإيراد العقد عليها .

فإن قيل : إذا لم يتحقق فساد هذا البيع من جهة جمع ما ليس بمال إلى ما هو مال في صفقة واحدة ينبغي أن يفسد ; لأنه إدخال صفقة في صفقة ، وإذا فسد وجب ، إما عدم وقوع العتق ; لأنه من جهة الآمر وهو لم يقبضها ، والمبيع في البيع الفاسد لا يملك إلا بالقبض فلا عتق فيما لم يملك ، وإما وجوب كل القيمة للمأمور إن اعتبر قبضها نفسها بالعتق قبضا للمولى ، وإن ضعف فيكتفي به ; لأن القيمة حيث وجبت بالقبض في البيع الفاسد وجبت كلها أجيب بأنه بيع صحيح والنكاح وقع مندرجا في البيع ضمنا له فلا يراعى من حيث هو مستقلا ولا يفسد به . ولا يخفى أنه لا يمكن ادعاؤه في كل صفقة في صفقة فلا يتصور كونه من المفسدات . وقول المصنف لم يذكره : يعني محمدا في الجامع الصغير ، وقوله في الوجه الأول : يعني الذي لم يذكر فيه لفظ عني ، والوجه الثاني هو ما ذكر فيه ، وقوله في الوجهين يعني ما ذكر فيه عني وما لم يذكر إذا زوجت نفسها ، وقد بيناه من قبل .




الخدمات العلمية