الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل تلاعب الشيطان بالمشركين في عبادة الأصنام

فصل

وتلاعب الشيطان بالمشركين في عبادة الأصنام

له أسباب عديدة،
يلاعب بكل قوم على قدر عقولهم، فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى الذين صوروا تلك الأصنام على قبورهم.

ولهذا لعن النبي -صلى الله عليه وسلم- المتخذين على القبور المساجد والسرج.

ونهى عن الصلاة على القبور، وسأل ربه سبحانه ألا يجعل قبره وثنا يعبد.

ونهى أمته أن يتخذوا قبره عيدا، وقال: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».

وأمر بتسوية القبور، وطمس التماثيل، فأبى المشركون إلا خلافه في ذلك كله، إما جهلا، وإما عنادا لأهل التوحيد، وهذا السبب هو الغالب على عوام المشركين. وأما خواصهم فإنهم اتخذوها بزعمهم على صور الكواكب المؤثرة في العالم عندهم، وجعلوا لها بيوتا وسدنة.

فمنها: بيت على رأس جبل بأصبهان.

ومنها: ثلاثة بيوت بـ«صنعاء» بناها بعض المشركين على اسم الزهرة، فخربها «عثمان بن عفان».

ومنها: بيت بناه «قابوس» الملك على اسم الشمس بمدينة «فرغانة» فخربه المعتصم.

[ ص: 420 ] وأشد الأمم في هذا النوع: الهند.

قال يحيى بن بشران: شريعة الهند وضعها لهم رجل يقال له: برهمن، ووضع له أصناما، وجعل أعظم بيوتها بيتا بمدينة من مدائن السند، وجعل فيه صنمهم الأعظم، وزعم أنه بصورة الهيولى الأكبر.

وفتحت هذه المدينة في أيام «الحجاج»، فأراد المسلمون قلع الصنم، فقيل: إن تركتموه جعلنا لكم ثلث ما يجتمع له من المال، فأمر عبد الملك بتركه.

والهند يحج إليه من نحو ألفي فرسخ، ولا بد لمن يحجه أن يحمل معه من النقد ما يمكنه من مائة إلى عشرة آلاف، فيلقيه في صندوق عظيم هناك.

وأهل هذا المذهب من مشركي الصابئة، وهم الذين ناظرهم إبراهيم في بطلان الشرك، وكسر حجتهم بعلمه، وأصنامهم بيده، وهو مذهب قديم، وأهله طوائف شتى.

منهم: من يعبد الشمس، ويزعم أنها ملك من الملائكة، لها نفس وعقل، وهي أصل نور القمر والكواكب، والموجودات السلفية كلها منها.

واتخذوا لها صنما بيده جوهرة على لون النار، وله بيت خاص، له وقوف كثيرة من القرى والضياع، وله سدنة وحجبة، يأتون البيت، ويصلون فيه: ويستشفون به.

فإذا طلعت الشمس، سجدوا كلهم لها، وكذا إذا غربت، أو توسطت في الفلك؛ ولهذا يقارنها الشيطان في هذه الأوقات ليقع عبادتهم وسجودهم له؛ ولهذا نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تحري الصلاة في هذه الأوقات.

وطائفة أخرى، اتخذت للقمر صنما، وزعموا أنه المدبر للعالم السفلي.

ومنهم: من يعبد أصناما اتخذوها على صور الكواكب وروحانيتها بزعمهم.

ومتى أردت الوقوف على هذا، فانظر في كتاب «السر المكتوم في مخاطبة [ ص: 421 ] النجوم» المنسوب إلى ابن خطيب الري، تعرف سر عبادة الأصنام، وكيفية تلك العبادة، وشرائطها.

ومن أسباب عبادتها أيضا: أن الشياطين تدخل فيها، وتخاطبهم منها، وتخبرهم ببعض المغيبات. فجهلتهم يظنون أن الصنم نفسه هو المتكلم، وعقلاؤهم يقولون: تلك روحانيات الأجرام العلوية، وهؤلاء هم أكثر أهل الأرض.

ولذا صح عنه صلى الله عليه وسلم أن بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث