الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل: ومن باب الشرك: إرادة الإنسان بعمله الدنيا

وهذا يفارق الرياء بكونه عملا صالحا أراد به عرضا من الدنيا؛ كمن يجاهد ليأخذ مالا، كما في الحديث الآتي قريبا.

قال تعالى: من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون [هود: 15].

قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: يعني: من كان يريد ثواب الدنيا ومالها، نوف لهم ثواب عملهم بالصحة والسرور، في المال والأهل والولد، وهم لا ينقصون، ثم نسخها قوله سبحانه: من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد [الإسراء: 18 ] رواه النحاس في «ناسخه».

ومعنى قوله: «نسخها»: قيدها، فلم تبق الآية على إطلاقها.

[ ص: 367 ] وقال قتادة: يقول: من كانت الدنيا همه وطلبته ونيته، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء.

وأما المؤمن، فيجازى بحسناته في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة. ذكره ابن جرير بسنده. ثم ساق حديث أبي هريرة الطويل وفيه:

حدثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أن الله -تبارك وتعالى- إذا كان يوم القيامة، نزل إلى أهل القيامة ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية، فأول من يدعو به: رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله لقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان قارئ، فقد قيل ذلك.

ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب، قال: فما عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدق، فيقول الله: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: أردت أن يقال: فلان جواد، فقد قيل ذلك.

ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقال له: في ماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان جريء، وقد قيل ذلك.

ثم ضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ركبتي، فقال: «يا أبا هريرة! أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم يوم القيامة النار».


وعن أنس: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من كانت نيته طلب الآخرة، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه، وشتت عليه أمره، ولا يأتيه منها إلا ما كتب له» رواه الترمذي، ورواه أحمد، والدارمي، عن أبان، عن زيد بن ثابت.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يخرج في آخر [ ص: 368 ] الزمان رجال، يختلون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله: أبي يغترون؟ أم علي يجترئون؟ فبي حلفت! لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم فيهم حيران» رواه الترمذي.

وفي الباب أحاديث.

ومعنى «يختلون»: يخدعون ويطلبون.

وهذا الحديث علم من أعلام النبوة، فقد وقع كما أخبر به صلى الله عليه وسلم، وقد أخبر بذلك قبل ذلك عز وجل في كتابه، فقال: يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل [التوبة: 34] الآية.

ففي هذه الآية الشريفة: أن هؤلاء أرادوا -بعملهم وعلمهم- الدنيا، وهذا هو الشرك؛ لأن كل عمل وعلم لم يقصد به وجه الله، وأريد به متاع الدنيا ورضاء أهلها، فهو من الشرك بمكان لا يخفى، أعاذنا الله من ذلك.

قال بعض أهل العلم: ذكر عن السلف في هذا أنواع مما يفعله الناس اليوم، ولا يعرفون معناه:

فمن ذلك: العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله، من صدقة وصلاة، وصلة، وإحسان إلى الناس، وترك ظلم وجور، ونحو ذلك مما يعمله الإنسان ويتركه، خالصا لله في زعمه، لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، إنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله وتنميته، أو حفظ أهله وعياله، أو إدامة النعم عليهم، ولا همة له في رضاء الله، ولا في طلب الجنة، ولا في الهرب من النار.

فهذا يعطى ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة نصيب. وهذا النوع ذكره ابن عباس فيما تقدم.

الثاني: وهو أكبر من الأول، وأخوف، وهو الذي ذكره مجاهد في الآية أنها نزلت فيه، وهو أن يعمل أعمالا صالحة، ونيته رياء الناس، لا طلب ثواب الآخرة.

[ ص: 369 ] الثالث: أن يعمل عملا صالحا يقصد به مالا، مثل أن يحج لمال يأخذه، أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، أو يجاهد لأجل المغنم، أو يتعلم لأجل مدرسة أهله، أو مكسبهم، أو رياستهم، أو يتعلم القرآن، ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد، كما هو واقع كثير، مشاهد في الناس.

الرابع: أن يعمل بطاعة الله، مخلصا في ذلك لله وحده لا شريك له، لكنه على عمل يكفر كفرا يخرجه عن الإسلام، مثل اليهود والنصارى إذا عبدوا الله، أو تصدقوا، أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، ومثل كثير من الذين فيهم كفر، أو شرك، أو رياء وسمعة، يخرجهم من الإسلام بالكلية، إذا أطاعوا الله طاعة خالصة، يريدون بها ثواب الله في الدار الآخرة، لكنهم على أعمال من الشركيات والبدعيات، وفساد الاعتقاد، تخرجهم من دائرة الإسلام والنور، وتدخلهم في الظلمات والديجور، وتمنع قبول أعمالهم. وكان السلف يخافون من هذا أشد الخوف.

قال بعضهم: لو أعلم أن الله تقبل مني سجدة واحدة، لتمنيت الموت؛ لأن الله يقول: إنما يتقبل الله من المتقين [المائدة: 27].

بقي أن يقال: إذا عمل الرجل الصلوات الخمس، وأدى الزكاة، وصام وحج ابتغاء وجه الله، طالبا ثواب الآخرة، ثم بعد ذلك عمل أعمالا قصد بها الدنيا؛ مثل أن يحج فرضه لله، ثم يحج بعده للدنيا كما هو واقع، فهو لما غلب عليه منهما.

وقد قال بعضهم: القرآن كثيرا ما يذكر أهل الجنة الخلص، وأهل النار الخلص، ويسكت عن صاحب الشائبتين، وهو هذا وأمثاله. انتهى.

وفي «صحيح البخاري» عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، [ ص: 370 ] أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع».

«تعس» بكسر العين، ويجوز الفتح، بمعنى: سقط. والمراد هنا: هلك.

قاله الحافظ ابن حجر. وقال في موضع آخر: هو ضد «سعد» أي: شقي.

وقال أبو السعادات: تعس يتعس: إذا عثر، وانكب لوجهه، وهو دعاء عليه بالهلاك.

«والدينار»: هو المعروف من الذهب كالمثقال في الوزن، وزنة الدينار درهم وثمن درهم.

التالي السابق


الخدمات العلمية