الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
أقوال العلماء في حديث «الشؤم في ثلاث»

قال النووي: اختلف العلماء في حديث: «الشؤم في ثلاث»: فقال «مالك»: هو على ظاهره، وإن الدار قد يجعل الله تعالى سكناها سببا للضرر، أو الهلاك، وكذا اتخاذ المرأة المعينة، والفرس، والخادم، قد يحصل الهلاك عنده بقضاء الله تعالى وقدره.

وقال الخطابي: قال كثيرون: هو في معنى الاستثناء من الطيرة. أي: الطيرة منهي عنها، إلا أن يكون له دار يكره صحبتها، أو فرس، أو خادم، فليفارق الجميع بالبيع ونحوه، وبطلاق المرأة.

وقال آخرون: شؤم الدار: ضيقها، وسوء جيرانها وأذاهم. وشؤم المرأة: عدم ولادتها، وسلاطة لسانها، وتعرضها للريب. وشؤم الفرس: ألا يغزى عليها؛ أي: في سبيل الله. وقيل: حرانها، وغلاء ثمنها. وشؤم الخادم: سوء خلقه، وقلة تعهده لما فوض إليه. وقيل: المراد بالشؤم هنا: عدم الموافقة.

قال عياض: قال بعض العلماء: لهذه الفصول السابقة في الأحاديث ثلاثة أقسام:

أحدها: ما لم يقع الضرر به، ولا اطردت له عادة خاصة ولا عامة، فهذا لا يلتفت إليه، وأنكر الشرع الالتفات إليه، وهو الطيرة.

[ ص: 143 ] والثاني: ما يقع عنده الضرر عموما لا يخصه، ونادرا لا يتكرر؛ كالرياء، فلا يقدم عليه، ولا يخرج منه.

والثالث: يخص ولا يعم؛ كالدار، والفرس، والمرأة، فهذا يباح الفرار منه. انتهى.

وقال ابن قتيبة: وجهه: أن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون، فنهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأعلمهم أن لا طيرة، فلما أبوا أن ينتهوا، بقيت الطيرة في هذه الأشياء الثلاث.

قال الحافظ: ومشى ابن قتيبة على ظاهره، ويلزم على قوله أن من تشاءم بشيء منها، نزل به ما يكره.

قال القرطبي: ولا يظن به أنه يحمله على ما كانت الجاهلية تعتقده، بناء على أن ذلك يضر وينفع بذاته، فإن ذلك خطأ، وإنما عنى أن هذه الأشياء هي أكثر ما يتطير به الناس. فمن وقع في نفسه منها شيء، أبيح له أن يتركه، ويستبدل به غيره. انتهى.

وقد ورد في رواية في البخاري، في النكاح بلفظ: ذكروا الشؤم، فقال: «إن كان في شيء، ففي ... إلخ».

ولمسلم: «إن يك من الشؤم شيء حق» وفي رواية أخرى: «إن كان الشؤم في شيء». وكذا في حديث جابر عند مسلم، وكذا في حديث سهل بن سعد عند البخاري في «كتاب الجهاد»، وذلك يقتضي عدم الجزم بذلك. بخلاف ما في حديث ابن عمر بلفظ: «الشؤم في ثلاث»، وبلفظ آخر: «إنما الشؤم في ثلاث»، ونحو ذلك مما تقدم.

قال ابن العربي: معناه: إن كان خلق الله الشؤم في شيء مما جرى، من نقض العادة، فإنما يخلقه الله في هذه الأشياء.

قال المازري: مجمل هذه الرواية: إن يكن الشؤم حقا، فهذه الثلاث أحق [ ص: 144 ] بمعنى: أن النفوس يقع فيها التشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها.

وروى أبو داود في الطب، عن ابن القاسم، عن مالك: أنه سئل عن حديث: «الشؤم في ثلاث»، فقال: كم من دار سكنها ناس فهلكوا؟

قال المازري: فيحمله مالك على ظاهره.

والمعنى: أن قدر الله ربما اتفق ما يكره عنده سكنى الدار، فتصير في ذلك كالسبب، فيتسامح في إضافة الشيء إليه اتساعا.

وقال ابن العربي: لم يرد مالك إضافة الشؤم إلى الدار، وإنما هو عبارة عن جري العادة فيها. فأشار إلى أنه ينبغي للمرء الخروج عنها؛ صيانة لاعتقاده عن التعلق بالباطل.

وقيل: معنى الحديث: أن هذه الأشياء يطول تعذيب القلب بها، مع كراهة أمرها؛ لملازمتها بالسكنى، والصحبة، ولو لم يعتقد الإنسان الشؤم فيها، فأشار الحديث إلى الأمر بفراقها؛ ليزول التعذيب.

قال الحافظ: وما أشار إليه ابن العربي في تأويل كلام مالك أولى.

وهو نظير الأمر بالفرار من المجذوم، مع صحة في العدوى.

والمراد بذلك: حسم المادة، وسد الذريعة؛ لئلا يوافق شيء من ذلك القدر، فيعتقد من وقع له أن ذلك من العدوى، أو من الطيرة، فيقع في اعتقاد ما نهي عن اعتقاده، فأشير إلى اجتناب فعل ذلك.

والطريق فيمن وقع له ذلك في الدار مثلا: أن يبادر إلى التحول منها؛ لأنه متى استمر فيها، ربما حمله ذلك على اعتقاد صحة الطيرة والتشاؤم.

قال ابن العربي: وصف الدار بأنها ذميمة، يدل على جواز ذكر تقبيح ما وقع فيها، من غير أن يعتقد أن ذلك كان منها. ولا يمتنع ذم محل المكروه، وإن كان ليس منه شرعا.

وقال الخطابي: معناه: إبطال مذهب الجاهلية في التطير. [ ص: 145 ] فكأنه قال: إن كانت لأحدكم دار يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس يكره سيره، فليفارقه.

وقيل: إن المعنى في ذلك: ما رواه الدمياطي بإسناد ضعيف في «الخيل»: إذا كان الفرس ضروبا، فهو مشؤوم، وإذا حنت المرأة إلى بعلها الأول، فهي مشؤومة، وإذا كانت الدار بعيدة من المسجد، لا يسمع منها الأذان، فهي مشؤومة.

وقيل: كان ذلك في أول الأمر، ثم نسخ بقوله تعالى: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب [الحديد: 22] مبين من قبل أن نبرأها الآية. حكاه ابن عبد البر.

قال الحافظ: النسخ لا يثبت بالاحتمال، لا سيما مع إمكان الجمع. ولا سيما قد ورد في نفس هذا الخبر نفي التطير، ثم إثباته في الأشياء المذكورة.

وقيل: يحمل الشؤم على قلة الموافقة، وسوء الطباع. وهو كحديث سعد بن أبي وقاص رفعه: «من سعادة المرء: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الهنيء، ومن شقاوة المرء: المرأة السوء والمسكن السوء، والمركب السوء» أخرجه أحمد. وهذا يختص ببعض أنواع الأجناس المذكورة دون بعض. وبه صرح ابن عبد البر، فقال: يكون لقوم دون قوم، وذلك كله بقدر الله.

وقال المهلب ما حاصله: إن المخاطب بقوله: «الشؤم في ثلاثة»: من التزم التطير، ولم يستطع صرفه عن نفسه، فقال لهم: إنما يقع ذلك في هذه الأشياء التي تلازم في غالب الأحوال. فإذا كان كذلك، فاتركوها عنكم، ولا تعذبوا أنفسكم بها. ويدل على ذلك تصديره الحديث بنفي الطيرة. [ ص: 146 ] واستدل لذلك بما أخرجه ابن حبان عن أنس رفعه: «لا طيرة، والطيرة على من تطير، وإن تكن في شيء، ففي المرأة» الحديث. وفي إسناده عتبة بن حميد، وعتبة مختلف فيه.

والأرجح ما قدمناه من بناء العام على الخاص، فيكون الحديث في قوة: ليست الطيرة في شيء إلا في الأمور المذكورة. وهذا هو الذي ذهب إليه جماعة ممن قدمنا النقل عنهم.

التالي السابق


الخدمات العلمية