الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان حكم الأعيان المشتركة

جزء التالي صفحة
السابق

( فإن أراد قوم سقي أرضيهم ) بفتح الراء بلا ألف من ماء مباح ( فضاق سقى الأعلى ) مرة أو أكثر ؛ لأن الماء ما لم [ ص: 229 ] يجاوز أرضه فهو أحق به ما دامت له به حاجة ( فالأعلى ) أي الأقرب للنهر فالأقرب وإن هلك زرع الأسفل قبل انتهاء النوبة إليه ، أما إذا اتسع فيسقي كل متى شاء . هذا كله إن أحيوا معا أو جهل الحال . : أما لو كان الأسفل أسبق إحياء فهو المقدم بل له منع من أراد إحياء أقرب منه إلى النهر كما صرح به جمع واقتضاه كلام الروضة لئلا يستدل بقربه بعد على أنه مقدم عليه ولا ينافيه ما مر آنفا ؛ لأن ما هنا يتعذر رفعه فيقوى الاستدلال به بخلاف رضا المالك فإن الغالب الرجوع عنه من المالك أو من وارثه فلم يوجد ما يستدل به من أصله ، وأيضا فالأرض هنا لا شرب لها من محل آخر بخلافها فيما مر كما سبق ثم من وليه في الإحياء وهكذا .

ولا عبرة حينئذ بالقرب من النهر ولو استوت أرضون في القرب للنهر وجهل المحيي أولا أقرع للتقدم ولهم منع من أراد إحياء موات وسقيه منه إن ضيق عليهم كما يأتي ( وحبس كل واحد الماء حتى يبلغ الكعبين ) لما صح من قضائه صلى الله عليه وسلم بذلك [ ص: 230 ] وبحث الأذرعي أن المراد جانب الكعب الأسفل وخالفه غيره احتجاجا بآية الوضوء ويرد بأن الدال على دخول المغيا في تلك خارجي وجد ثم لا هنا التقدير بهما هو ما عليه الجمهور واعترضوا بأن الوجه أنه يرجع في قدر السقي للعدد والحاجة لاختلافهما زمنا ومكانا فاعتبرت في حق أهل كل محل بما هو المتعارف عندهم والخبر جار على عادة الحجاز وقيل النخل إن أفردت كل بحوض فالعادة ملؤه وإلا اتبعت عادة تلك الأرض انتهى ولا حاجة لهذا التفصيل ؛ لأن كلا من قسميه لم يخرج عن العادة في مثله فشمله كلامهم ( فإن كان في الأرض ) الواحدة ( ارتفاع ) من طرف ( وانخفاض ) من طرف ( أفرد كل طرف بسقي ) لئلا يزيد الماء في المنخفضة على الكعبين لو سقيا معا فيسقي أحدهما حتى يبلغهما ثم يسد عنها ويرسله إلى الآخر .

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( قوله : مرة أو أكثر ؛ لأن الماء ما لم يجوز أرضه فهو أحق به إلخ ) قال في العباب ومن قدم بالسقي فاحتاجت أرضه سقية أخرى فإن كان قبل وصوله إلى من بعده مكن وإلا فلا [ ص: 229 ] حتى يفرغ . ا هـ . وفي الخادم صور الجرجاني في الثاني المسألة فيما إذا احتاج إلى الماء قبل وصوله إلى الثاني وهو يفهم أنه متى وصل إليه واحتاج إليه لا يمكن منه إلا بعد فراغ الثاني . ا هـ . ( قوله : هذا كله إن أحيوا معا أو جهل الحال ) الوجه أن يزيد أو أحيوا الأعلى فالأعلى فتأمله وفي شرح الروض بعد شرحه مسألة المتن ومن هنا يقدم الأقرب إلى النهر إن أحيوا دفعة أو جهل السابق ولا يبعد القول بالإقراع ذكره الأذرعي . ا هـ .

( قوله : بل له منع من أراد إحياء أقرب منه إلى النهر ) ظاهره وإن لم يضيق عليه وهو ظاهر للعلة التي ذكرها لكن ينافيه قول الروض كأصله الآتي وإلا فلا فتأمله ثم ينبغي أيضا أن له منع من أراد إحياء أبعد أيضا إذا ضيق عليه أخذا من قوله الآتي ولهم منع إلخ ومما ذكره في شرح الروض فإنه لما قال الروض وإن أراد إحياء أرض أقرب إلى رأس النهر فإن ضيق على السابق منع وإلا فلا . ا هـ . قال : التقييد بالأقربية من زيادته ، وبه صرح القاضي أبو الطيب وغيره وعبارة الأصل وحكى عبارته الخالية عن هذا التقييد وعقبها بقوله وقضيتها أن الحكم لا يتقيد بالأقربية ، وأنه يتقيد بإرادة سقي ذلك من النهر وهو ظاهر ويحتمل خلافه لئلا يصير ذلك ذريعة إلى استحقاقه السقي قبلهم أو معهم . ا هـ . وفي الخادم فرع أرض لها شرب من نهر فقصد مالكها حفر ساقية إلى نهر من جانب آخر لا استحقاق له فيه ويسده فهل له ذلك كنظيره من الأبواب إلى الشارع ؟ لم يتعرضوا له . ا هـ . قلت ويتجه أن يقال إن لزم من ذلك تضييق على السابقين بالإحياء المستحقين السقي من الجانب الآخر أو كونه أقرب إلى ذلك النهر منهم امتنع وإلا فلا أخذا مما تقرر فتأمل .

( قوله : ولهم منع من أراد إحياء موات ) ظاهره وإن كان أبعد منه عن النهر وقياس ذلك أن لا يقيد بالأقرب في قوله السابق بل له منع إلخ إن أراد السقي منه وضيق ( قوله : لما صح من قضائه صلى الله عليه وسلم بذلك ) اعلم أنه قد يشكل على اعتبار الكعبين حديث { تخاصم الزبير في شراج الحرة وقوله : عليه الصلاة والسلام اسق يا زبير حتى تبلغ [ ص: 230 ] الكعبين فقال له الأنصاري إن كان ابن عمتك يا رسول الله فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال اسق يا زبير ثم احبس حتى تبلغ الجدر } وقال في الشفا في حقوق المصطفى إنه صلى الله عليه وسلم ندب الزبير رضي الله عنه أولا إلى الاقتصار على بعض حقه على طريق التوسط والصلح فلما لم يرض بذلك الآخر استوفى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه ثم نقل ما يصرح بذلك ويؤيده من كلام البخاري وحديثه وهذا كله صريح في أن الحق يزيد على الكعبين وأنه ما يبلغ الجدر أي على المحوط حول الشجر وهذا يؤيد ما نقله الشيخان بعد نقلهما عن الجمهور التقدير بالكعبين عن الماوردي من التقدير بالحاجة في العادة وجزم به المتولي واعتمده السبكي والأذرعي وغيرهما وجزم به في الإرشاد ولعل حاجة الزبير كانت إلى ما يبلغ الجدر ويمكن أن يجاب عن الجمهور بأن التقدير بالكعبين باعتبار الغالب فتجوز الزيادة بحسب الحاجة .

( قوله : وبحث الأذرعي أن المراد إلخ ) وافقه الزركشي في الخادم فقال إنه الظاهر قال : وحينئذ فالمرجع إلى القدم المعتدل أو إلى الغالب ؛ لأن من الناس من يرتفع كعبه ومنهم من ينخفض . ا هـ . ( قوله : ولو سقيا ) أي لطرفان



حاشية الشرواني

( قوله : بفتح الراء ) إلى قوله وبحث الأذرعي في المغني إلا قوله أي الأقرب للنهر فالأقرب وقوله : بل له منعه إلى ثم من وليه وإلى قول المصنف وحافر بئر في النهاية إلا قوله ولا ينافي إلى ثم من وليه وقوله : ولهم منع إلى المتن ( قوله : من ماء مباح ) وفي النهاية والمغني بدله لفظه منها بالحمراء أي من المياه المباحة إلى قول المتن ( فضاق ) أي الماء عنهم وبعضها أعلى من بعض . ا هـ . مغني واحترز به عن الاستواء الآتي في قول الشارح ولو استوت أرضون إلخ ( قوله : مرة أو أكثر ؛ لأن الماء ما لم يجاوز إلخ ) قال في العباب وفي الخادم عن الجرجاني ما يوافقه ومن قدم بالسقي فاحتاجت أرضه سقية أخرى فإن كان قبل وصوله إلى من بعده مكن وإلا فلا حتى يفرغ انتهى . ا هـ . سم .

( قوله : ما لم [ ص: 229 ] يجاوز إلخ ) عبارة المغني قبل وصوله للأسفل . ا هـ . وهي موافقة لعبارة العباب المارة آنفا ( قوله : أي الأقرب للنهر ) أي لأوله ورأسه ( قوله : إن أحيوا معا إلخ ) الوجه أن يزيد أو أحيوا الأعلى فالأعلى فتأمله . ا هـ . سم أقول هذا مفهوم بالأولى من قول الشارح ، أما لو كان الأسفل إلخ ( قوله : بل له منع من أراد إحياء أقرب منه إلخ ) ظاهره وإن لم يضيق وهو ظاهر للعلة التي ذكرها ، ثم ينبغي أيضا أن له منع من أراد إحياء أبعد أيضا إذا ضيق عليه أخذ من قوله الآتي ولهم منع إلخ . ا هـ . سم ( قوله : إحياء أقرب إلخ ) أي وسقيه منه . ا هـ . نهاية ( قوله : أنه مقدم عليه ) في الإحياء والاستحقاق ( قوله : ما مر آنفا ) أي في تنظيره في الفتوى وقال الكردي وهو قوله : فيستدل إلخ . ا هـ . ( قوله : ليقوى الاستدلال إلخ ) من قبيل ليكون لهم عدوا الآية ولو قال فيقوى إلخ بالفاء بدل اللام لكان واضحا ( قوله : كما سبق ) أي بقوله على أن التقادم إلخ ( قوله : ثم من وليه إلخ ) عطف على قوله هو المقدم ( قوله : ولا عبرة حينئذ بالقرب ) علم من ذلك أن مرداهم بالأعلى المحيي قبل الثاني وهكذا لا الأقرب إلى النهر وعبروا بذلك جريا على الغالب من أن من أحياه أولا يتحرى قربها من الماء ما أمكن لما فيه من سهولة السقي أو خفة المؤنة وقرب عروق الغراس من الماء نهاية ومغني .

( قوله : ولهم منع من أراد إحياء موات إلخ ) ظاهره وإن كان أبعد منه عن النهر وقياس ذلك أن لا يقيد بالأقرب في قوله السابق بل له منع إلخ إذا أراد السقي منه وضيق . ا هـ . سم عبارة المغني ولو أراد شخص إحياء أرض موات وسقيها من هذا النهر فإن ضيق على السابقين منع من الإحياء ؛ لأنهم استحقوا أرضهم بمرافقها والماء من أعظم مرافقها وإلا فلا منع وقضية ذلك أن لا يتقيد المنع بكونه أقرب إلى رأس النهر وهو كذلك كما هو ظاهر كلام الروضة خلافا لابن المقري . ا هـ . وفي سم بعد ذكر مثل ذلك عن شرح الروض ما نصه وفي الخادم فرع أرض لها شرب من نهر فقصد مالكها حفر ساقية إلى نهر من جانب آخر لاستحقاق له فيه ويسده فهل له ذلك كنظيره من الأبواب إلى الشارع ؟ لم يتعرضوا له انتهى أقول ويتجه أن يقال إن لزم من ذلك تضييق على السابقين بالإحياء المستحقين السقي من الجانب الآخر أو كونه أقرب إلى ذلك النهر منهم امتنع وإلا فلا أخذ مما تقرر فتأمل . ا هـ .

وأقره ع ش ( قوله : كما يأتي ) قبيل قول المصنف ولهم القسمة مهايأة ( قوله : [ ص: 230 ] وبحث الأذرعي إلخ ) عبارة النهاية والمراد بما ذكر كما بحثه الأذرعي جانب الكعب إلخ ( قوله : خارجي ) وهو الاتباع والإجماع . ا هـ .

كردي ( قوله : واعترضوا إلخ ) أقره المغني أيضا ( قوله : بأن الوجه أنه يرجع إلخ ) معد ا هـ ع ش ( قوله : لاختلافها ) أي الحاجة وكذا ضمير فاعتبرت ولو ثنى الضمير الأول كما في النهاية لكان أولى ( قوله : وحاجة إلخ ) راجع للقيل خاصة ، وأما الاعتراض فقد أقره . ا هـ .

رشيدي ( قوله : من قسميه ) أي النخل ( قوله : الواحدة ) إلى قول المتن مائها في الأصح في المغني إلا قوله بل جريا إلى المتن ( قوله : على الكعبين ) أي على ظاهر المتن وإلا فالراجح كما تقدم أن المرجع العرف للتعارف في ذلك المحل ( قوله : ولو سقيا ) أي الطرفان . ا هـ . سم ( قوله : فيسقي أحدهما إلخ ) والظاهر كما قاله السبكي أنه لا يتعين البداءة بالأسفل بل لو عكس جاز نهاية ومغني .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث