الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله ( وإذا كانت له بينة بألف ، فقال : أريد أن تشهدا لي بخمسمائة : لم يجز ) ، وهو المذهب بلا ريب ، ونص عليه ، وعليه جماهير الأصحاب ، وعند أبي الخطاب : يجوز فقال في الهداية : ولو كانا شهدا على رجل بألف ، فقال صاحب الدين : " أريد أن تشهدا لي من الألف بخمسمائة " فإن كان الحاكم لم يول الحكم بأكثر من ذلك ، لم يجز لهما أن يشهدا بخمسمائة ، قال : وعندي يجوز أن يشهدا بذلك . انتهى . وقال في المحرر : إذا قال من له بينة بألف " أريد أن تشهدا لي بخمسمائة " لم يجز ذلك ، إذا كان الحاكم لم يول الحكم بأكثر منها ، وأجازه أبو الخطاب . انتهى . وتبعه في الفروع ، فقال : ومن قال لبينة بمائة " اشهدا لي بخمسين " لم يجز إذا كان الحاكم لم يول الحكم بما فوقها ، نص عليه ، وأجازه أبو الخطاب . انتهى . وقال في الوجيز : وإذا قال من له بينة بألف " أريد أن تشهدا لي بخمسمائة " لم يجز ذلك إذا كان الحاكم لم يول الحكم بأكثر منها ، وإلا جاز . انتهى .

فظاهر كلامه في المحرر ، ومن تبعه : أن الحاكم إذا كان مولى بأكثر منها : أنه يجوز وصرح بذلك في الوجيز فقال : لم يجز ذلك إذا كان الحاكم لم يول الحكم بأكثر منها ، وإلا جاز ، [ ص: 33 ] فظاهر هذا أنه إن ولي بأكثر منها : جاز على القولين ، قال شيخنا في حواشيه على المحرر : وهذا مشكل من جهة المعنى والنقل أما من جهة المعنى : فإنه إذا كان قد ولي بأكثر منها ، فليس معنا حاجة داعية إلى الشهادة بالبعض ، بخلاف العكس ، فإنه إذا لم يول الحكم بأكثر منها ، فالحاجة داعية إلى الشهادة بالبعض ، وهو المقدار الذي يحكم به ، ولهذا لم يذكر الشيخ في المقنع هذا القيد ، ولا الكافي ، لأنه والله أعلم فهم أنه ليس بقيد يحترز به ، ولا يقال : إنه لم يطلع عليه ; لأنه في كلام أبي الخطاب ، وهو قد نقل كلامه ، وأما من جهة النقل : فقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى : إذا قال " اشهد علي بمائة درهم ، ومائة درهم ، ومائة درهم " فشهد على مائة دون مائة : كره ، إلا أن يقول " أشهدوني على مائة ومائة ومائة " يحكيه كله للحاكم كما كان ، وقال الإمام أحمد رحمه الله : إذا شهد على ألف وكان الحاكم لا يحكم إلا على مائة ومائتين ، فقال صاحب الحق " أريد أن تشهد لي على مائة " لم يشهد إلا بالألف ، قال القاضي : وذلك أن على الشاهد نقل الشهادة على ما شهد .

فقول الإمام أحمد رحمه الله " إذا شهد على ألف ، وكان الحاكم لا يحكم إلا على مائة ومائتين " يرد ما قالوه ، فإنه ذكر في الرواية " إذا كان يحكم على مائة ومائتين ، فقال صاحب الحق : أريد أن تشهد لي على مائة ، لم يشهد إلا بالألف " فمنعه ، مع أنه ذكر : أنه يحكم بمائتين ، فإذا منعه من الشهادة بمائة وهو يحكم بمائتين : فقد منعه في صورة ما إذا ولي الحكم بأكثر منها ، وتعليل المسألة لا يحتاج معه إلى تطويل ، وأما تقييد الحاكم : فهو لبيان الواقع ، فإن الواقع في هذه الصورة لا يكون في العرف ، إلا إذا كان الحاكم لا يحكم بأكثر ; لأن صاحب الحق لا يطلب إلا [ ص: 34 ] في هذه الصورة ، أو نحوها من الصور التي تمنعه من طلب الحق كاملا ، أما كلام أبي الخطاب ، وصاحب المحرر ، في القيد المذكور : فيحتمل أن يكون لأجل الخلاف ، أي أن أبا الخطاب لا يجيزه إلا إذا كان الحاكم لم يول بأكثر ، فيكون التقدير : لا يجوز ، وعند أبي الخطاب : يجوز إذا كان لم يول الحكم بأكثر منها ، وأما إذا كان قد ولي الحكم بأكثر منها : لم يجز بلا خلاف ; لعدم العذر ، لكن تعليل قول أبي الخطاب الذي علل به المصنف في المغني وهو أنه من شهد بألف فقد شهد بالخمسمائة ، وليس كاذبا يدل على أن أبا الخطاب يجيزه مطلقا ، وأبو الخطاب لم يعلل قوله في الهداية ، فإن كان رأى تعليله في كلامه في غير الهداية فلا كلام ، وإن كان علله من عنده ، فيحتمل أن أبا الخطاب قصد ما فهمه الشيخ ، وأراد : الجواز مطلقا .

ويحتمل أن مراده : الجواز في صورة ما إذا لم يول بأكثر منها ، ويكون كونه ليس كاذبا في شهادة يمنع الاحتياج إلى ذلك لأجل الحكم ، لكونه لا يحكم بأكثر منها ، فتكون العلة المجموع ، مع أن كلام أبي الخطاب يحتمل أن تكون بالباء الموحدة من تحت ، أي قال صاحب الحق ذلك ، بأن كان الحاكم لم يول بأكثر منها ، لكن النسخ بالفاء ، فيحتمل أنه من الكاتب ، وإن كان بعيدا ، وأما صاحب الوجيز : فيحتمل أنه ظن المفهوم مقصودا ، فصرح به وإن كان بعيدا ، ولكن ارتكبناه لما دل عليه كلام الإمام أحمد رحمه الله ولما عليه الجماعة . انتهى .

كلام شيخنا ، قال : وقد ذكر الشيخ محب الدين نصر الله في حواشيه : أن الشهود إذا شهدوا بالخمسمائة ، وكان أصلها بألف ، وأعلموا الحاكم بذلك : يكون حكمه [ ص: 35 ] بالخمسمائة حكما بالألف ; لأن الحكم ببعض الجملة حكم بالجملة ، فإذا كان لم يول الحكم بألف يكون قد حكم بما لم يول فيه ، وهو ممتنع ، بخلاف ما إذا كان ولي الحكم بألف ، فإنه يكون قد حكم بما ولي فيه ، هذا معنى ما رأيته من كلامه ، قال : وفيه نظر ; لأن الذين ذكروا المنع من ذلك إنما عللوه بأن الشاهد لم يشهد كما سمع ، وهذا يدل على أن المنع لأمر يرجع إلى الشاهد ، لا لأمر يرجع إلى حكم الحاكم ; ولأنه قد يقال : لا يسلم في مثل هذه الصورة : أن الحكم بالبعض المشهود به يكون حكما بالجملة ، بل إنما يكون حكما بما ادعى به وشهد به ، وقد يقال الذين عللوا المنع بأن الشهادة لم تؤد كما سمعت : كلامهم يقتضي المنع مطلقا ، وأما من قيد المنع بما إذا كان الحاكم لم يول الحكم بأكثر منها : يكون توجيهه ما ذكر ، ويدل عليه ذكر هذا القيد ; لأنهم لم يمنعوا إلا بهذا الشرط ، لكن يحتاج إلى إثبات أن الحكم بالبعض من الجملة حكم بكلها .

وقد ذكر القاضي في الأحكام السلطانية ما يخالف ذلك ، فإنه ذكر في أوائل الكراس الرابع فيما إذا كانت ولاية القاضي خاصة وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على صحتها في قدر من المال ، فقال في رواية أحمد بن نصر في رجل أشهد على ألف درهم ، وكان الحاكم لا يحكم إلا في مائة ومائتين فقال : لا تشهد إلا بما أشهدت عليه ، وكذلك قال في رواية الحسن بن محمد في رجل أشهد على ألف ، ولا يحكم في البلاد إلا على مائة لا يشهد إلا بألف ، فقد نص على جواز القضاء في قدر من المال ، ووجهه ما ذكرنا ، [ ص: 36 ] ومنع من تبعيض الشهادة إذا كانت بقدر يزيد على ما جعل له فيه ، بل يشهد بذلك ويحكم الحاكم من ذلك بما جعل له ; لأنه إذا شهد بخمسمائة عند هذا القاضي ، وشهد بالخمسمائة الأخرى عند قاض آخر ، ربما ادعى المقر أن هذه الخمسمائة الثانية هي التي شهد بها أولا ، وتسقط إحداهما على قول من يحمل تكرار الإقرار في مجلسين بألف واحدة ، وقد يشهد لذلك قوله تعالى { ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها } وإذا بعضها فلم يأت بها على وجهها . انتهى كلام القاضي في الأحكام السلطانية .

التالي السابق


الخدمات العلمية