الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة قول النبي صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه

فصل : وإن كانت الدعوى بمال في الذمة ، فهو على ضربين :

أحدهما : أن يكون من ذوي الأمثال كالدراهم ، والدنانير ، أو الحنطة والشعير مما يصح أن يثبت في الذمة ثمنا ، أو يضمن في العمد بمثله ، فيلزمه في الدعوى أن يذكر الجنس والنوع ، والصفة ، والقدر ، بما يصير به عند الخاصة والعامة معلوما ، وهو بالخيار في أن يذكر سبب الاستحقاق ، أو لا يذكر ، فتكون صحة الدعوى معتبرة بثلاثة شروط :

أحدها : أن يقول لي عليه كذا ويصفه .

والشرط الثاني : أن يقول وهو حال ، لأن المؤجل لا يستحق المطالبة به قبل حلوله ، فلم تصح دعواه ، فإن كان بعضه حالا ، وبعضه مؤجلا صح دعوى جميعه لاستحقاق المطالبة ببعضه ويكون المؤجل تبعا ، فلو كان المؤجل في عقد قصد بدعواه تصحيح العقد ، كالسلم المؤجل ، صحت دعواه ، لأن المقصود به مستحق في الحال .

والشرط الثالث : أن يقول : وقد منعني ، أو أخره عني فإن قال : وقد أنكرت صح ، لأن المنكر مانع .

ثم اختلف أصحابنا بعد ذكر هذه الشروط الثلاثة : هل يعتبر في صحة الدعوى أن [ ص: 294 ] يقول : وأنا أسأل القاضي ، أن يلزمه الخروج إلي من حقي على وجهين :

أحدهما : يعتبر في صحة الدعوى ، لأنه المقصود بالتحاكم إليه ، وإلا كان خبرا .

والوجه الثاني : لا يعتبر ، لأن شاهد الحال يدل عليه ، فاعتبر .

والضرب الثاني : أن يكون ما في الذمة غير ذي مثل ، فهو على ضربين :

أحدهما : أن يكون الشرع مانعا من ثبوته في الذمة ، كاللؤلؤ ، والجوهر ، فلا تصح دعوى عينه ، لأنها لا يصح ثبوتها في الذمة إلا أن يقصد بالدعوى ثبوت عوضها ، لأنها مغصوبة ، فتصح دعواها بذكر قيمتها ، أو تكون عن سلم فاسد ، فتكون الدعوى برد ثمنها ، ويكون ذكرها إخبارا عن السبب الموجب لعوضها .

والضرب الثاني : أن يصح في الشرع ثبوته في الذمة ، وذلك من وجهين :

أحدهما : في السلم أن يكون معقودا على ثياب ، فيلزمه في صحة دعواها شرطان :

أحدهما : أن يصفها بأوصافها المستحقة في عقد السلم .

والشرط الثاني : أن يذكر أنها عن عقد سلم ، يذكر فيه الشروط المعتبرة في صحة السلم .

ثم يذكر بعدها ما يوجبه مقصود الدعوى فإن لم يذكر أنه عن سلم ، لم تصح دعوى أعيانها ، لأنها قد تكون مغصوبة توجب غرم قيمتها ، فيلزمه مع ذكر الصفة أن يذكر القيمة .

والوجه الثاني : الإبل المستحقة في الدية والغرة المستحقة في الجنين ، فلا يلزمه صفتها في دعواه ، لأن أوصافها مستحقة بالشرع ، وصحة الدعوى فيها معتبرة بثلاثة شروط :

أحدها : أن يذكر أنها عن جناية يصفها بعمد ، أو خطأ ، لاختلاف صفاتها بالعمد ، والخطأ ، وهي مستحقة على الجاني في العمد ، وفي الخطأ مستحقة على العاقلة .

والثاني : أن يذكر أنها على حر ، لأن الإبل لا تستحق في الجناية على العبد ، وأن المجهضة لجنينها حرة ، لأن الغرة لا تستحق في جنين الأمة .

والثالث : أن يذكر ما وصفنا فيه الجناية من نفس ، أو طرف ، أو جراح تقدرت ديته بالشرع ، كالموضحة ، والجائفة ، فتكون المطالبة بالدعوى عفوا عن القصاص ، فإن كانت الجناية فيما لا تتقدر ديته بالشرع ، كانت دعواه مقصورة على وصف [ ص: 295 ] الجناية ولم تصح دعواه بقدر أرشها لأنها مقدرة بحكم الحاكم ، وإن كانت الجناية على عبد استحق فيها القيمة فيذكر قدر قيمته ليعلم بها دية نفسه وأطرافه .

وإن كانت في جنين أمة ، ذكر في الدعوى قدر قيمتها ، لأن في جنين الأمة عشر قيمتها ، ثم تستوفى شروط المقصود بالدعوى فهذا حكم دعوى الاستحقاق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث