الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الشهادة على الزنا والرجوع عنها

جزء التالي صفحة
السابق

( وإن شهد أربعة على رجل بالزنا فزكوا فرجم فإذا الشهود مجوس أو عبيد فالدية على المزكين عند أبي حنيفة ) معناه إذا رجعوا عن التزكية ( وقالا هو على بيت المال ) وقيل هذا إذا قالوا تعمدنا التزكية مع علمنا بحالهم ، لهما أنهم [ ص: 296 ] أثنوا على الشهود خيرا فصار كما إذا أثنوا على المشهود عليه خيرا بأن شهدوا بإحصانه . وله أن الشهادة إنما تصير حجة عاملة بالتزكية ، فكانت التزكية في معنى علة العلة فيضاف الحكم إليها بخلاف شهود الإحصان ; لأنه محض الشرط . ولا فرق بين ما إذا شهدوا بلفظة الشهادة أو أخبروا ، وهذا إذا أخبروا بالحرية والإسلام ، أما إذا قالوا هم عدول وظهروا عبيدا لا يضمنون ; لأن العبد قد يكون عدلا ، ولا ضمان على الشهود ; لأنه لم يقع كلامهم شهادة ، ولا يحدون حد القذف ; لأنهم قذفوا حيا وقد مات فلا يورث عنه

التالي السابق


( قوله : وإن شهد أربعة على رجل بالزنا وزكوا ) أي بأن قال المزكون : هم أحرار مسلمون عدول ، أما لو اقتصروا على قولهم عدول فلا ضمان على المزكين بالاتفاق إذا ظهروا عبيدا ، فإذا زكوا كما قلنا فرجم ثم ظهر بعضهم كافرا أو عبدا فإما أن يستمر المزكون على تزكيتهم قائلين هم أحرار مسلمون فلا شيء عليهم اتفاقا ، ومعناه بعد ظهور كفرهم حكمهم بأنهم كانوا مسلمين ، وإنما طرأ كفرهم بعد ، وإن قالوا : أخطأنا في ذلك فكذلك لا يضمنون بالاتفاق فلم يبق لصورة الرجوع التي فيها الخلاف إلا أن يقولوا تعمدنا فقلنا هم أحرار مسلمون مع علمنا بخلاف ذلك منهم ، ففي هذه الصورة قال أبو حنيفة رحمه الله : الدية على المزكين ، وقال أبو يوسف ومحمد : على بيت المال ، وهو قول الأئمة الثلاثة . إذا عرف هذا فقول المصنف وقيل هذا إذا قالوا : تعمدنا التزكية مع علمنا بحالهم ليس على ما ينبغي بعد قوله إذا رجعوا عن التزكية لأنه يوهم أن في صورة الرجوع الخلافية قولين أن يرجعوا بهذا الوجه أو بأعم منه وليس كذلك ( لهما أنهم ) لو ضمنوا لكان ضمان عدوان وهو بالمباشرة أو التسبب وعدم المباشرة ظاهر ، وكذا التسبب لأن سبب الإتلاف الزنا وهم لم يثبتوه [ ص: 296 ]

وإنما ( أثنوا على الشهود خيرا فصار كما لو أثنوا على المشهود عليه بالإحصان ) فكما لا يضمن شهود الإحصان بعد رجم المشهود عليه به إذا ظهر غير محصن لأنهم لم يثبتوا السبب كذلك لا يضمن المزكون ولأبي حنيفة أن الشهادة بالزنا ( إنما تصير حجة ) موجبة للحكم بالرجم على الحاكم ( بالتزكية ، فكانت التزكية في معنى علة العلة ) للإتلاف لأنها موجبة موجبية الشهادة للحكم به ، وعلة العلة كالعلة في إضافة الحكم إليها على ما عرف ، بخلاف الإحصان فإنه ليس موجبا للعقوبة ولا لتغليظها بل الزنا هو الموجب فعند الإحصان يوجبها غليظة لأنه كفران نعمة الله فلم تضف العقوبة إلى نفس الإحصان الذي هو النعمة بل إلى كفران النعمة فكانت الشهادة به الشهادة بثبوت علامة على استحقاق تغليظ العقوبة ، والسبب وضع الكفران في موضع الشكر ، ثم أفاد المصنف أنه لا يشترط في التزكية لفظ الشهادة بأن قالوا : نشهد أنهم أحرار إلخ بل ذلك أو الإخبار كأن يقولوا : هم أحرار ، وكذا لا يشترط مجلس القضاء اتفاقا ، ثم لا يشترط العدد في المزكى عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافا لمحمد فيشترط الاثنين في سائر الحقوق الأربعة في الزنا ، ويجوز شهادة رجل وامرأتين في الإحصان ثم لا يحد الشهود حد القذف لأنهم قذفوا حيا فمات ولا يورث استحقاق حد القذف . واعلم أنه وقع في المنظومة قوله :

على المزكين ضمان من رجم إن ظهر الشاهد عبدا وعلم     وأوجبا ضمان هذا المتلف
من بيت مال المسلمين فاعرف     وفي المزكين إذا هم رجعوا
كذا وقالوا عزروا وأوجعوا

وفي المختلف ما يوافق ما في المنظومة لأنه قال بعد ذكر الخلاف مطلقا عن قيد الرجوع : وعلى هذا الخلاف إذا رجع المزكون . قال في المصفى شرح المنظومة : وهنا إشكال هائل ، فإنا إن أولنا المسألة بالرجوع يلزم التكرار ، وإن لم نؤولها بالرجوع يلزم المخالفة بين الروايات فيحتمل أن يكون في المسألة روايتان ، ويدل عليه أنه ذكر فخر الإسلام في الجامع الصغير مطلقا كما ذكر هنا ، وفي الشرح خلافه ثم قال : ويحتمل أن يؤول بالرجوع [ ص: 297 ] ولا يلزم التكرار ; لأن المسألة الأولى فيما إذا ظهر الشهود عبيدا ورجع المزكون أيضا . والمسألة الثانية يعني التي في البيت الثالث فيما إذا رجع المزكون فحسب والتفاوت ظاهر ا هـ .

وعلى هذا فالخلاف في موضعين : ما إذا ظهروا عبيدا ورجعوا ، وما إذا رجعوا فقط ; وأما تعزيرهم فباتفاق . وقول صاحب المجمع : ولو شهدوا فزكوا فرجم ثم ظهر أحدهم عبدا فالضمان على المزكين إن تعمدوا . وقالا : في بيت المال .

ولو رجع المزكون عزر ، وإلا يفيد تحقق الخلاف في الضمان في مجرد رجوعهم ، بل أفاد مجرد الاتفاق على التعزير ، فالإشكال قائم على صاحب المنظومة على ما مشى هو عليه . وحاصل الجمع اشتراط الرجوع مع الظهور لتحقق الخلاف فلا ينفرد الظهور بالتضمين الخلافي بل الاتفاق أنه في بيت المال كما سيذكر ، وينفرد رجوع المزكين بالتضمين المختلف فيه أهو عليهم أو على بيت المال ، وبه يزول الإشكال عنه ، غير أن من العجب كون مجرد رجوع المزكين موجبا للضمان على الخلاف ، ولا يذكر في الأصول كالجامع والأصل



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث