الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الماء تقع فيه النجاسة

33 ص: وما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن ميسرة: " أن عليا - رضي الله عنه - قال في بئر وقعت فيها فأرة فماتت قال: ينزح ماؤها" .

التالي السابق


ش: رجاله ثقات.

قلت: "ينزح ماؤها" محمول على ما إذا ماتت وانتفخت، وأما إذا لم تنتفخ بل أخرجت على الفور، فإنه ينزح عشرون دلوا، روي ذلك عن عطاء ذكره ابن حزم ، وفي "البدائع" و"الإيضاح": ينزح في الفأرة وما يقاربها في الجثة عشرون أو ثلاثون، هكذا روي عن علي رضي الله عنه .

وروي عن علي ما يخالف ذلك كله، وهو ما رواه عبد الرزاق في "مصنفه": حدثنا إبراهيم بن محمد ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه، أن عليا - رضي الله عنه - قال: "إذا [ ص: 133 ] سقطت الفأرة في البئر فتقطعت ؛ نزع منها سبعة أدلاء، فإن كانت الفأرة كهيئتها لم تقطع; نزع منها دلو أو دلوان، فإن كانت منتنة أعظم من ذلك فلينزع من البئر ما يذهب الريح" .

فإن قلت: ما معنى الترديد بين العشرين والثلاثين في مسألة الفأرة وبين الأربعين والخمسين والستين في الدجاجة؟

قلت: لما اختلفت أقوال الصحابة والتابعين في الفأرة من عدم وجوب شيء، ووجوب دلوا ودلوين، ووجوب عشرين دلوا، ووجوب أربعين دلوا، اختار أصحابنا قول من يقول بالعشرين التي هي الوسط بين القليل والكثير ثم زادوا عليه مقدار نصفه بطريق الاستحباب لأجل الاحتياط، بيان ذلك فيما رواه عبد الرزاق عن معمر أخبرني من سمع الحسن يقول: "إذا ماتت الدابة في البئر أخذت منها وإن تفسخت فيها نزحت" وما رواه أيضا من حديث علي المذكور آنفا وما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن ابن عيينة ، عن ليث ، عن عطاء قال: "إذا وقع الجرذ في البئر نزح منها عشرون دلوا" .

و"الجرذ" -بضم الجيم وفتح الراء وفي آخره ذال معجمة- وهو الذكر الكبير من الفأر فجمعها الجرذان.

وما رواه أيضا عن حفص ، عن عاصم ، عن الحسن : "في الفأرة تقع في البئر قال: يستقى منها أربعون دلوا" .

وأما الترديد في الدجاجة فكذلك لاختلاف أقوالهم.

بيان ذلك فيما رواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر قال: "سألت الزهري [ ص: 134 ] عن دجاجة وقعت في بئر فماتت، قال: لا بأس أن تتوضأ منها وتشرب إلا أن تنتن حتى يوجد ريح نتنها في الماء; فينزح" .

وما رواه أيضا عن يعلى بن عبيد ، عن عبد الملك ، عن عطاء : "في البئر تموت فيها الدجاجة وأشباهها قال: استق منها دلوا وتوضأ منها، فإن هي تفسخت استق منها أربعين دلوا" .

وما رواه أيضا عن المحاربي ، عن الشيباني ، عن حماد بن أبي سليمان : "في البئر تقع فيها الدجاجة والكلب والسنور فتموت، قال: ينزح منها ثلاثون أو أربعون دلوا" .

وما رواه أيضا عن أسباط بن محمد بن عبد الملك ، عن سلمة بن كهيل : "في الدجاجة تقع في البئر قال: يستقى منها أربعون دلوا" .

فلما اختلفت هذه الأقوال اختار أصحابنا الأربعين; لأن أكثر ما ذكر فيه، ثم زادوا عليه على وجه الاستحباب عشرة، وبعضهم زادوا عشرين; لأنه نصف الأربعين؛ تأكيدا في طلب الاحتياط، فافهم.

فإن قيل: قد قلتم إن مبنى مسائل الآبار على الآثار دون القياس والرأي، وما ذكرتم لا يخلو عن رأي.

قلت: المقادير بالرأي إنما تمنع في التي تثبت لحق الله تعالى ابتداء دون المقادير التي تتردد بين القليل والكثير والصغير والكبير، فإن المقادير في الحدود والعبادات لا مدخل للرأي فيها أصلا، وكذا ما يكون بتلك الصفة، وأما الذي يكون من باب الفرق بين القليل والكثير فيما يحتاج إليه فللرأي فيه مدخل، ولما عرف بآثار الصحابة حكم طهارة البئر في الفصول كلها مع اختلاف الأقوال عنهم وعن غيرهم من التابعين في القليل والكثير من النزح; صار ذلك من باب الفرق [ ص: 135 ] فدخل فيه الرأي لاختيار عدد دون عدد بحسب صفة القضية، ألا ترى أن محمدا حكم في البئر المعين بمائتي دلو إلى ثلاثمائة بناء على كثرة الماء في آبار بغداد ، فهذا رأي ولكنه عن دليل، وذلك لأن الشرع لما أمر بإخراج جميع ما فيها صار الواجب نزح ذلك الماء الذي وقعت فيه النجاسة، وغالب مياه الآبار لا تزيد على مائتي دلو، فبنزح هذا المقدار يحصل المطلوب، وأما قوله: "إلى ثلاثمائة" فللاحتياط في باب التطهير.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث