الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الرجل يطلق امرأته ثلاثا معا

[ ص: 55 ] 2 - باب الرجل يطلق امرأته ثلاثا معا

4473 - حدثنا روح بن الفرج ، قال ثنا أحمد بن صالح ، قال : ثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : أخبرني ابن طاوس ، عن أبيه ، أن أبا الصهباء قال لابن عباس : أتعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، وثلاثا من إمارة عمر ؟ قال ابن عباس : نعم .

قال أبو جعفر : فذهب قوم إلى أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا معا ، فقد وقعت عليها واحدة إذا كانت في وقت سنة ، وذلك أن تكون طاهرا في غير جماع .

واحتجوا في ذلك بهذا الحديث ، وقالوا : لما كان الله عز وجل إنما أمر عباده أن يطلقوا لوقت على صفة ، فطلقوا على غير ما أمرهم به ، لم يقع طلاقهم .

وقالوا : ألا ترون أن رجلا لو أمر رجلا أن يطلق امرأته في وقت على صفة ، فطلقها في غيره ، أو أمره أن يطلقها على شريطة ، فطلقها على غير تلك الشريطة ، أن ذلك لا يقع ؛ إذ كان قد خالف ما أمر به .

قالوا : فكذلك الطلاق ، الذي أمر به العباد ، فإذا أوقعوه كما أمروا به وقع ، وإذا أوقعوه على خلاف ذلك لم يقع .

وخالفهم في ذلك أكثر أهل العلم ، فقالوا : الذي أمر به العباد من إيقاع الطلاق ، فهو كما ذكرتم ، إذا كانت المرأة طاهرا من غير جماع ، أو كانت حاملا ، وأمروا بتفريق الثلاث إذا أرادوا إيقاعهن ، ولا يوقعونهن معا .

فإذا خالفوا ذلك ، فطلقوا في الوقت الذي لا ينبغي لهم أن يطلقوا فيه ، وأوقعوا من الطلاق أكثر مما أمروا بإيقاعه ، لزمهم ما أوقعوا من ذلك ، وهم آثمون في تعديهم ما أمرهم الله عز وجل .

وليس ذلك كالوكالات ؛ لأن الوكلاء إنما يفعلون ذلك للموكلين ، فيحلون في أفعالهم تلك محلهم ، فإن فعلوا ذلك كما أمروا لزم ، وإن فعلوا ذلك على غير ما أمروا به لم يلزم .

والعباد في طلاقهم إنما يفعلونه لأنفسهم لا لغيرهم ، لا لربهم عز وجل ، ولا يحلون في فعلهم ذلك محل غيرهم ، فيراد منهم في ذلك إصابة ما أمرهم به الذين يحلون في فعلهم ذلك محله .

فلما كان ذلك كذلك ، لزمهم ما فعلوا ، وإن كان ذلك مما قد نهوا عنه ؛ لأنا قد رأينا أشياء مما قد نهى الله تعالى العباد عن فعلها ، أوجب عليهم إذا فعلوها أحكاما .

من ذلك أنه نهاهم عن الظهار ، ووصفه بأنه منكر من القول وزور ، ولم يمنع ما كان كذلك أن تحرم به المرأة على زوجها ، حتى يفعل ما أمره الله تعالى به من الكفارة .

[ ص: 56 ] فلما رأينا الظهار قولا منكرا وزورا ، وقد لزمت به حرمة ، كان كذلك الطلاق المنهي عنه ، هو منكر من القول وزور ، والحرمة به واجبة .

وقد رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سأله عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، عن طلاق عبد الله امرأته وهي حائض ، أمره بمراجعتها ، وتواترت عنه بذلك الآثار ، وقد ذكرتها في الباب الأول ولا يجوز أن يؤمر بالمراجعة من لم يقع طلاقه .

فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ألزمه الطلاق في الحيض ، وهو وقت لا يحل إيقاع الطلاق فيه ، كان كذلك من طلق امرأته ثلاثا ، فأوقع كلا في وقت الطلاق لزمه من ذلك ما ألزم نفسه ، وإن كان قد فعله على خلاف ما أمر به .

فهذا هو النظر في هذا الباب .

وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، ما لو اكتفينا به كان حجة قاطعة ، وذلك أنه قال : ( فلما كان زمان عمر رضي الله عنه ، قال : أيها الناس ، قد كانت لكم في الطلاق أناة ، وإنه من تعجل أناة الله في الطلاق ألزمناه إياه ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث

الشرح