الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تغيير الأسماء القبيحة

تغيير الأسماء القبيحة

قال: وغير النبي صلى الله عليه وسلم- اسم العاص، وعزيز، وعتلة، وشيطان، والحكم، وغراب، وحباب، وشهاب، قال: وتركت أسانيدها للاختصار. انتهى.

وعن مسروق، قال: لقيت عمر، فقال: من أنت؟ قلت: مسروق بن [ ص: 190 ] الأجدع، قال عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم- يقول: «الأجدع شيطان» رواه أبو داود، وابن ماجه، والحديث دل على النهي عن التسمية باللفظ القبيح.

وتمام الكلام على هذا البحث في كتاب «الجوائز والصلات»، فراجعه ،ولعلك لا تجد مثله في الكتب المتداولة - إن شاء الله تعالى -.

وعن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان» ؛ أي: لما فيه من التسوية بين الله وبين عباده.

«ولكن قولوا: ما شاء الله» كان «ثم شاء فلان» ؛ لأن «ثم» للتراخي.

وإنما قدرنا «كان» قبل «ثم» ؛ لدفع توهم الاشتراك في الحكم، ولو بالتراخي أيضا، تأمل هذا، فإنه مسلك دقيق، وبالتحقيق حقيق.

وفي رواية منقطعة قال: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد صلى الله عليه وسلم-، وقولوا: ما شاء الله وحده» رواه في «شرح السنة».

قال الطيبي: فإن قلت: كيف رخص أن يقال: ما شاء الله، ثم شاء فلان ولم يرخص في اسمه صلى الله عليه وسلم؟.

قلت: فيه جوابان.

أحدهما: قاله دفعا لمظنة التهمة في قولهم: ما شاء الله وشاء محمد.

وثانيهما: أنه رأس الموحدين، ومشيئته مغمورة في مشيئة الله تعالى مضمحلة فيها.

قال علي القاري: وأقول: أصل السؤال مدفوع؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم- داخل في عموم فلان، يجوز أن يقول: ما شاء الله، ثم شاء فلان، ولا يجوز أن يقال: ما شاء الله وشاء محمد.

فجوابه الأول خطأ فاحش ؛ لأنهم لو قالوا: ما شاء الله وشاء محمد، لكان شركا جليا لا مظنة للتهمة التي ذكرها.

والجواب الثاني في نفس الأمر صحيح، لكن لا يفيد جواز الإتيان بالواو ، [ ص: 191 ] مع أن مشيئة غيره صلى الله عليه وسلم- أيضا مضمحلة في مشيئة الله. انتهى.

قال بعض أهل العلم: معنى هذا الحديث: أن كل ما يختص بشأن الله، ولا دخل لأحد من المخلوق فيه، فينبغي ألا يلحق به أحدا من الخلق، وإن كان أعظم، وبلغ من الرتبة العظمى ما بلغ، وكان من التقرب في أعلى مكان.

فلا يجوز أن يقول: إن شاء الله ورسوله يكون كذا وكذا من الأمر؛ لأن مجاري أمور العالم كلها بيد الله تعالى، وهو المتصرف فيها، والمختار لها، لا بيد الرسول، ولا في مشيئته وإرادته، فما لنا ولتشريك الرسول في مثل هذا الموضع؟.

وكذلك إن سأل أحد عن أحد، وقال: متى يكون عرس فلان؟ وكم من الأوراق في الشجر ؟ وكم نجم على السماء؟.

فلا يقول في جوابه: الله ورسوله أعلم بذلك، أو هكذا حكم الله ورسوله في الأمر الفلاني؛ لأن الأمر والخلق كل واحد منهما لله وحده لا شريك له، ليس شيء منهما إلى الرسول صلى الله عليه وسلم-، ولا يعلم الغيب إلا الله ..

والعلم بعدد نجوم السماء، وأوراق الأشجار، وتعدد الرمال، وساعة العرس، ونحوها من جملة العلم بالأمور الغيبية التي استأثر الله بها من دون عباده، وأن الله تعالى قد علم رسوله صلى الله عليه وسلم- أحكام الشرائع، وقضى بها لعباده على لسانه، وأمر الأمة بإطاعته، لا بعبادته، وإثبات الغيب له، وإضافة الغائب والأمور إليه. انتهى.

فمن اعتقد خلاف ذلك، فقد صار من أهل الشرك، وكان من المشركين. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم-: ما شاء الله وشئت. قال: «أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده» رواه النسائي.

فيه: بيان أن من سوى العبد بالله، ولو في الشرك الأصغر؛ فقد جعله [ ص: 192 ] ندا لله، شاء أم أبى، وإن كان هذا شركا لوجود التسوية بين الخالق والمخلوق في العطف بالواو.

وعن قتيلة: أن يهوديا أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم-، فقال: إنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، وتقولون: والكعبة !فأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: «ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله، ثم شئت» رواه النسائي وصححه.

وفيه: قبول الحق ممن جاء به، كائنا من كان.

وفيه: بيان النهي عن الحلف بالكعبة، مع أنها بيت الله الحرام التي حجها وقصدها للحج والعمرة فريضة.

وهذا يبين أن النهي عن الشرك بالله عام، لا يصلح منه شيء، لا لملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا للكعبة التي هي بيت الله في أرضه.

وفيه: أن العبد، وإن كان له مشيئة، فمشيئته تابعة لمشيئة الله.

ولا قدرة له على أن يشاء إلا إذا كان الله قد شاءه كما قال تعالى: وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين [التكوير: 29] وقال: لمن شاء منكم أن يستقيم [التكوير: 28].

وفي هذه الآيات والأحاديث رد على القدرية والمعتزلة، نفاة القدر الذين يثبتون للعبد مشيئة تخالف ما أراده الله تعالى من العبد وشاءه، وأنهم مجوس هذه الأمة.

وأما أهل السنة والجماعة، فتمسكوا بالكتاب والسنة في هذا الباب وغيره، واعتقدوا أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله في كل شيء، ما يوافق ما شرعه الله، وما يخالفه من أفعال العبد وأقوالهم، فالكل بمشيئته وإرادته.

فما وافق شرعه، رضيه وأحبه، وما خالفه، كرهه من العبد، كما قال تعالى: إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر [الزمر: 7].

[ ص: 193 ] وفيه: بيان أن الحلف بالكعبة شرك ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم- أقر اليهودي على قوله: إنكم تشركون.

ولابن ماجه عن أبي الطفيل أخي عائشة لأمها، قال: رأيت كأني على نفر من اليهود فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: عزير بن الله.

قالوا: وأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد.

ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون:المسيح ابن الله.

قالوا: وأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد.

قال: فلما أصبحت، أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي صلى عليه وسلم- فأخبرته، فقال: «هل أخبرت بها أحدا ؟»، قلت: نعم.

قال: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد: فإن الطفيل رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده»
انتهى الحديث.

وهذه الرؤيا حق أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم- وعمل بمقتضاها، فنهاهم أن يقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، وأمرهم أن يقولوا: ما شاء الله وحده.

ولا ريب أن هذا أكمل في الإخلاص، وأبعد من الشرك من أن يقولوا: ثم شاء فلان ؛ لأن فيه التصريح بالتوحيد المنافي للتشريك من كل وجه.

فالبصير يختار لنفسه أعلى مراتب الكمال في مقام التوحيد والإخلاص. ورد في بعض الطرق: أنه كان يمنعه الحياء منهم.

وبعد هذا الحديث الذي حدثه به الطفيل عن رؤياه خطبهم صلى الله عليه وسلم- فنهى عن ذلك نهيا بليغا. فما زال صلى الله عليه وسلم يبلغهم حتى أكمل الله له الدين، وأتم له النعمة، وبلغ البلاغ المبين.

[ ص: 194 ] وفيه: معنى قوله صلى الله عليه وسلم-: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة».

والرؤيا وإن كانت مناما، فهي وحي، يثبت بها ما يثبت بالوحي، أمرا ونهيا، إذا قبلها الرسول الله صلى الله عليه وسلم- والله أعلم.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث