الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الشهادة على الشهادة والرجوع عن الشهادة

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 89 ] باب الشهادة على الشهادة والرجوع عن الشهادة .

تنبيه

قوله ( تقبل الشهادة على الشهادة فيما يقبل فيه كتاب القاضي وترد فيما يرد فيه ) وهذا المذهب بلا ريب ، وقاله جماهير الأصحاب ، وقطعوا به ، وقال في الرعاية : تقبل شهادة الفروع في كل حق لآدمي يتعلق بمال ويثبت بشاهد وامرأتين ، ولا تقبل في حق خالص لله تعالى ، وفي القود ، وحد القذف ، والنكاح ، والطلاق ، والرجعة ، والتوكيل ، والوصية بالنظر ، والنسب ، والعتق ، والكتابة على كذا ونحوها مما ليس مالا ولا يقصد به المال غالبا : روايتان ، ونص الإمام أحمد رحمه الله على قبوله في الطلاق ، وقيل : تقبل في غير حد وقود ، نص عليه ، وقيل : تقبل فيما يقبل فيه كتاب القاضي ، وترد فيما يرد فيه . انتهى . وهذا الأخير ميل المصنف إليه . قوله ( ولا تقبل إلا أن تتعذر شهادة شهود الأصل بموت ) ، بلا نزاع فيه ، ( أو مرض أو غيبة إلى مسافة القصر ) ، هذا المذهب ، وعليه جماهير الأصحاب ، وجزم به في الوجيز ، وغيره ، [ ص: 90 ] وقدمه في الهداية ، والمذهب ، والمستوعب ، والخلاصة ، والمحرر ، والنظم ، والرعايتين ، والحاوي ، والفروع ، وغيرهم ، قال ابن منجا : هذا المذهب ، وقيل : لا يقبل إلا بعد موتهم ، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله ، نص عليه في رواية جعفر بن محمد ، وغيره ، وقيل : تقبل في غيبة فوق يوم ، ذكره القاضي في موضع ، وتقدم نظيره في كتاب القاضي إلى القاضي ، فعلى المذهب : يلتحق بالمرض والغيبة : الخوف من سلطان أو غيره ، قاله المصنف ، والشارح ، وصاحب الفروع ، وغيرهم ، زاد ابن منجا في شرحه : والحبس ، وقال ابن عبد القوي : وفي معناه الجهل بمكانهم ولو في المصر . قوله ( ولا يجوز لشاهد الفرع أن يشهد إلا أن يسترعيه شاهد الأصل ) ، هذا المذهب ، وعليه الأصحاب ، وقطع به أكثرهم ، ونص عليه في رواية ابن الحكم وغيره ، وذكر ابن عقيل وغيره رواية : يجوز أن يشهد ، سواء استرعاه أو لا ، وقدمه في التبصرة ، وخرج ابن عقيل في الفصول هذه المسألة على شهادة المستخفي .

تنبيه :

مفهوم قوله " إلا أن يسترعيه شاهد الأصل " أنه لو استرعاه غيره لا يجوز أن يشهد ، [ ص: 91 ] وهو أحد الوجهين ، وهو ظاهر الوجيز ، وغيره ، وهو احتمال في المغني . والوجه الثاني : يجوز أن يشهد ، فيكون شاهد فرع ، وهو الصحيح ، وقدمه في المغني ، والكافي ، والشرح ، والرعايتين ، والمحرر ، والحاوي الصغير ، والنظم ، وأطلقهما في الفروع . قوله ( فيقول : أشهد على شهادتي أني أشهد أن فلان ابن فلان وقد عرفته بعينه واسمه ونسبه أقر عندي وأشهدني على نفسه طوعا بكذا ، أو شهدت عليه ، أو أقر عندي بكذا ) ، قال المصنف في المغني ، والشرح ، والفروع وغيرهم : الأشبه أنه يجوز ، إن قال : " أشهد أني أشهد على فلان بكذا " وقالوا : ولو قال " أشهد على شهادتي بكذا " صح ، وجزم به في المحرر ، والوجيز ، وغيرهما .

فائدة :

قال في الفروع : ويؤديها الفرع بصفة تحمله ، ذكره جماعة ، قال في المنتخب وغيره : وإن لم يؤدها بصفة ما تحملها لم يحكم بها ، وقال في الترغيب : ينبغي ذلك ، وقال في الكافي : ويؤدي الشهادة على الصفة التي تحملها ، فيقول " أشهد أن فلانا يشهد أن لفلان على فلان كذا " أو " أشهدني على شهادته " ، وإن سمعه يشهد عند حاكم ، أو يعزي الحق إلى سببه : ذكره ، وقال في المستوعب في الصورتين الأخيرتين فيقول " أشهد على شهادة فلان عند الحاكم بكذا " أو يقول " أشهد على شهادته بكذا ، وأنه عزاه إلى [ ص: 92 ] واجب " فيؤدي على حسب ما تحمل ، فإن لم يؤدها على ذلك لم يحكم بها الحاكم ، وقال في المستوعب أيضا في المسألة الأولى ويشترط أن يؤدي شاهد الفرع إلى الحاكم ما تحمله على صفته وكيفيته ، وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله : الفرع يقول " أشهد على فلان أنه يشهد له " أو " أشهد على شهادة فلان بكذا " فإن ذكر لفظ المسترعي ، فقال " أشهد على فلان أنه قال : إني أشهد " فهو أوضح ، فالحاصل : أن الشاهد بما سمع تارة يؤدي اللفظ ، وتارة يؤدي المعنى ، وقال أيضا : والفرع يقول " أشهد أن فلانا يشهد " أو " بأن فلانا يشهد " فهو أولى رتبة . والثانية " أشهد عليه أنه يشهد " أو " بأنه يشهد " . والثالثة " أشهد على شهادته " . انتهى .

وقوله في الرعاية : ويحكي الفرع صورة الجملة ، ويكفي العارف " أشهد على شهادة فلان بكذا " والأولى أن يحكي ما سمعه ، أو يقول " شهد فلان عند الحاكم بكذا " أو " أشهد أن فلانا أشهد على شهادته بكذا " . انتهى .

قوله ( وإن سمعه يقول " أشهد على فلان بكذا " لم يجز له أن يشهد إلا أن يسمعه يشهد عند الحاكم ، أو يشهد بحق يعزيه إلى سبب من بيع أو إجارة أو قرض فهل يشهد به ؟ على وجهين ) ، وأطلقهما في الشرح ، وشرح ابن منجا ، والهداية ، والمذهب ، والمستوعب ، والخلاصة . أحدهما : يجوز أن يشهد به إذا سمعه يشهد عند الحاكم ، أو يسمعه يشهد بحق يعزيه إلى سبب ، وهو المذهب ، اختاره أبو الخطاب وغيره ، [ ص: 93 ] واختاره أيضا القاضي ، وابن البنا ، قاله الزركشي ، قال في الرعاية : وهو أشهر ، وصححه في التصحيح ، وغيره ، وجزم به في الوجيز وغيره ، وقدمه في المحرر ، والنظم ، والرعايتين ، والحاوي الصغير ، والفروع وغيرهم . والوجه الثاني : لا يجوز أن يشهد إلا أن يسترعيه ، نصره القاضي وغيره ، بناء منهم على أن اعتبار الاسترعاء على ما تقدم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث