الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

عمرو بن العاص (القائد المسلم والسفير الأمين) [الجزء الأول]

اللواء الركن / محمود شيت خطاب

في ميـدان الجهـاد

1- في حرب الردة

مات النبي صلى الله عليه وسلم ، وعمرو عاملا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ،على عمان ، فأقبل بعد التحاقه عليه الصلاة والسلام بالرفيق الأعلى، حتى انتهى إلى البحرين ، فوجد المنذر بن ساوى [1] في الموت. وخرج عمرو عن البحرين، إلى بلاد بني عامر، فنزل بـقرة بن هـبيرة [2] ، وقرة يقدم رجلا ويؤخر أخرى إلى الردة ، ومعه عسكر من بني عامر ، فذبح له، وأكرم مثواه، فلما أراد عمرو الرحيل عن ديار قرة، خلا به قرة وقال: (يا هـذا! إن العرب لا تطيب لكم نفسا بالإتاوة، فإن أعفيتموها من أخذ أموالها، فتسمع لكم، وتطيع، وإن أبيتم فلا تجتمع عليكم!) فقال له عمرو: (أكفرت يا قرة؟! أتخوفنا بالعرب؟ فوالله لأوطئن عليك الخيل في حفش) والحفش: بيت تنفرد به النفساء [3] . [ ص: 78 ]

ومر عمرو في طريق عودته بمسيلمة الكذاب، فأعطاه الأمان، فقال له عمرو : (أعرض لي ما تقول) ، فذكر مسيلمة بعض كلامه، فقال عمرو: (والله إنك لتعلم أنك من الكاذبين) ، فتوعده مسيلمة [4] .

وقدم عمرو على المسلمين بالمدينة ، فأخبرهم بما رآه، وسمعه، في طريق عودته، من عمان إلى المدينة، وكان مما أخبرهم به أن العساكر معسكرة من ( دبا ) [5] إلى المدينة، فتفرقوا وتحلقوا حلقا، وأقبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، يريد التسليم على عمرو، فمر على حلقة فيها علي بن أبي طالب ، وعثمان بن عفان ، وطلحة بن عبيد الله ، والزبير بن العوام ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم ، فلما دنا عمر منهم سكتوا، فقال: (فيم أنتم؟) فلم يجيبوه، فقال لهم: (إنكم تقولون: ما أخوفنا على قريش من العرب!) قالوا: صدقت! قال: (فلا تخافوهم، أنا والله منكم على العرب، أخوف مني من العرب عليكم، والله لو تدخلون معاشر قريش جحرا، لدخلته العرب في آثاركم، فاتقوا الله فيهم) ، ومضى عمرو.

فلما قدم بقرة بن هـبيرة ، على أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، أسيرا، استشهد بعمرو على إسلامه، فأحضر أبو بكر عمرا فسأله، فأخبره بقول قرة، إلى أن وصل إلى ذكر الزكاة، فقال قـرة: (مهـلا [ ص: 79 ] يا عمرو !) فقال: (كلا، والله لأخبرنه بجميعه) ، فعفا أبو بكر عنه، وقبل إسلامه [6] .

ولما عقد أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، أحد عشر لواء، لقادة حرب أهل الردة ، عقد لواء لعمرو، وأرسله إلى قضاعة [7] ، ففصلت الأمراء من ( ذي القصة ) [8] ، ولحق بكل أمير جنده، وعهد إلى كل أمير، وكتب إلى جميع المرتدين نسخة واحدة، يأمرهم بمراجعة الإسلام، ويحذرهم، وسير الكتب إليهم مع رسله [9] .

وكانت قضاعة، قد ارتدت بعد التحاق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، وكان عمرو، قد حاربها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، في سرية ذات السلاسل ، كما ذكرنا ذلك، فلما أنفذ أبو بكر إلى قضاعة جيشا بقيادة عمرو، سار عمرو على رأس جيشه في الطريق، الذي سلكه من قبل، حتى وصل إلى بلاد قضاعة، فأعمل السيف في رقابهم، وغلبهم على أمرهم، فعادوا إلى الإسلام، وعاد عمرو إلى المدينة المنورة حاملا لواء النصر، وكان ذلك في السنة الحادية عشرة الهجرية. [ ص: 80 ]

ولا نعرف شيئا عن تعداد جيش عمرو، ولا عن تعداد مقاتلي قضاعة ، ويبدو أن التفوق العددي، كان إلى جانب المرتدين، ولكن جيش عمرو كان منظما، له هـدف واضح، وتسيطر عليه عقيدة واحدة، وقيادة واحدة.. والجيش المنظم القليل، الذي يتحلى بالعقيدة الراسخة، التي تشيع الانسجام الفكري في صفوفه، ينتصر دوما على الجيش الكبير، غير المنظم، الذي لا يتحلى بالعقيدة، ويخلو من الانسجام الفكري. لقد كان موقف عمرو في حرب الردة متميزا.

التالي السابق


الخدمات العلمية