الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                6408 ص: وقد رأينا رسول الله -عليه السلام- أمر في شاة غصبت وذبحت فطبخت بخلاف هذا.

                                                [ ص: 148 ] حدثنا فهد ، قال: ثنا النفيلي ، قال: ثنا زهير بن معاوية ، قال: ثنا عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن رجل -قال: حسبته من الأنصار-: " أنه كان مع رسول الله -عليه السلام- في جنازة، فلقيه رسول امرأة من قريش يدعوه إلى طعام، فجلسنا مجالس الغلمان من آبائهم، فنظر آباؤنا إلى النبي -عليه السلام- وفي يده أكلة، ، فقال: إن هذا لحم شاة [تخبرني] أنها أخذت بغير حلها، فقامت المرأة فقالت: يا رسول الله، لم يزل يعجبني أن تأكل في بيتي، وإني أرسلت إلى البقيع ، فلم يوجد فيه شاة، وكان أخي اشترى شاة بالأمس، فأرسل إلي أهله بالثمن، فقال: أطعموه الأسارى، فتنزه رسول الله -عليه السلام- عن أكلها، ولم يأمر بطرحها؛ بل أمرهم بالصدقة بها، إذ أمرهم أن يطعموها الأسارى". .

                                                فهذا حكم رسول الله -عليه السلام- في اللحم الحلال إذا غصب فاستهلك، فلو كانت لحوم الحمر الأهلية حلالا عنده لأمر فيها لما انتهبت بمثل ما أمر به في هذه الشاة لما غصبت، ولكنه إنما أمر في لحم تلك الحمر بما أمر به لمعنى خلاف المعنى الذي من أجله أمر في لحم هذه الشاة بما أمر به.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي بخلاف ما ذكر في مسألة الغصب المذكورة بيانه أن المذكور في المسألة المذكورة عدم تنجس القدر التي طبخ فيها اللحم المغصوب، وأنها طاهرة على ما كانت عليه، وأن أمر النبي -عليه السلام- من غسل القدر التي طبخ فيها لحم الحمار الأهلي إنما كان لنجاسة اللحم لا لأجل ورود الغصب عليه، والمذكور في هذه المسألة أنه -عليه السلام- أمر بصدقة لحم تلك الشاة، ولم يأمرهم بطرحه، فهذا حكم اللحم الحلال المغصوب، فلو كان لحم الحمار الأهلي حلالا عند النبي -عليه السلام- لكان أمر فيه وقت النهب والغصب بمثل ما أمر به في لحم الشاة المذكورة، فحيث لم يأمر في ذلك بطرحه بل أمر بصدقته؛ دل على أن الذي أمر به في لحم الحمار الأهلي لمعنى غير المعنى الذي من أجله أمر في لحم الشاة المذكورة، وذلك المعنى هو كونلحم الحمار الأهلي نجسا؛ فافهم.

                                                [ ص: 149 ] ثم إن حديث عاصم بن كليب عن أبيه، أخرجه بإسناد صحيح عن فهد بن سليمان ، عن عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل النفيلي الحراني شيخ البخاري وأبي داود عن زهير بن معاوية بن حديج أحد أصحاب أبي حنيفة الثقة الثبت، عن عاصم بن كليب الجرمي الكوفي ، عن أبيه كليب بن شهاب الجرمي الكوفي، وثقه ابن حبان ، عن رجل من الأنصار.

                                                وأخرجه أبو داود: ثنا محمد بن العلاء قال: ثنا ابن إدريس قال: نا عاصم بن كليب ، عن أبيه، عن رجل من الأنصار قال: "خرجنا مع رسول الله -عليه السلام- في جنازة، فرأيت رسول الله -عليه السلام- وهو على القبر يوصي الحافر: أوسع من قبل رجليه، أوسع من قبل رأسه. فلما رجع استقبله داعي امرأة، فجاء، وجيء بالطعام، فوضع يده، ثم وضع القوم فأكلوا، فنظر آباؤنا ورسول الله -عليه السلام- يلوك لقمة في فمه، ثم قال: أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها، فأرسلت المرأة: يا رسول الله، إني أرسلت إلى البقيع، يشتري لي شاة، فلم أجد، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة: أن أرسل بها إلي بثمنها. فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته، فأرسلت بها إلي. فقال رسول الله -عليه السلام-: "أطعميه الأسارى".

                                                وأخرجه أبو نعيم: من حديث زائدة ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه أن رجلا من الأنصار قال: "خرجنا مع رسول الله -عليه السلام- في جنازة وأنا غلام، فلما رجعنا لقينا داعي امرأة من قريش، فقال: يا رسول الله، إن فلانة تدعوك ومن معك على طعام. فانصرف وجلسنا معه، وجيء بالطعام، فوضع النبي -عليه السلام- يده، ووضع القوم أيديهم، فنظر القوم إلى النبي -عليه السلام- فإذا أكلته في فيه لا يسيغها، فكفوا أيديهم لينظروا ما يصنع، فأخذ اللقم فلفظها، وقال: أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها، أطعموها الأسارى".

                                                قوله: "وفي يده أكلة" بضم الهمزة أي لقمة وفتح الهمزة ها هنا خطأ.

                                                [ ص: 150 ] قوله: "إلى البقيع" بالباء الموحدة، وهو موضع مشهور بالمدينة، وفيه مقبرة أهلها، وفي بعض الروايات: "إلى النقيع" بالنون، وهو موضع حماه رسول الله -عليه السلام- لنعم الفيء وخيل المجاهدين، فلا يرعاه غيرها، وهو موضع قريب من المدينة، كان يستنقع فيه الماء أي يجتمع.

                                                ويستفاد منه أحكام:

                                                الأول: أنه أصل في الورع، وفيما يلزم الإنسان اجتنابه من الشبهة والريب، ألا ترى أن رسول الله -عليه السلام- كيف تنزه عن أكل تلك الشاة.

                                                الثاني: فيه أن إجابة الدعوة سنة، وإن كان الداعي امرأة.

                                                الثالث: فيه تواضع النبي -عليه السلام- وحسن عشرته مع أصحابه، حيث كان يجيب الداعي سواء كان رجلا أو امرأة.

                                                الرابع: فيه بيان معجزته؛ فإن لحم الشاة أخبره أن شاته قد أخذت بغير إذن صاحبها.

                                                الخامس: فيه دلالة أن الشيء المأخوذ بغير إذن صاحبه إذا استهلكه الآخذ بأن كان شاة فذبحها أو قمحا فطحنه فإنه لا يطيب له، وإن كان يملكه بالضمان فالورع والتقوى أن يتصدق به، كما أمر النبي بإطعام الشاة المذكورة للأسارى.

                                                السادس: فيه دلالة على أن الشيء المغصوب لا يطرح، ولا يؤمر بطرحه بعد تملكه بالضمان، إذ لو كان طرحه واجبا لكان -عليه السلام- أمر بطرح تلك الشاة، فحيث أمر بتصدقها دل على أنها على طهارتها الأصلية.




                                                الخدمات العلمية