الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                6807 6808 6809 6810 ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي وائل شقيق بن سلمة ، عن حذيفة قال: " رأيت النبي -عليه السلام- بال وهو قائم على سباطة، ثم أتي بوضوء، فتوضأ ومسح على خفيه". .

                                                حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق ، قالا: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا شعبة ، عن سليمان الأعمش ... .، فذكر بإسناده مثله.

                                                حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو الوليد ، قال: ثنا أبو عوانة ، عن سليمان. . . . ، فذكر بإسناده مثله.

                                                حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل ، قال: ثنا سفيان الثوري ، قال: ثنا منصور ، عن أبي وائل ، عن حذيفة ، عن النبي -عليه السلام- مثله.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث حذيفة .

                                                وأخرجه من أربع طرق صحاح:

                                                الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح: عن يونس بن عبد الأعلى ، عن سفيان بن عيينة ، عن سليمان الأعمش ، عن أبي وائل شقيق بن سلمة ، عن حذيفة - رضي الله عنه - .

                                                [ ص: 381 ] وأخرجه البخاري: ثنا آدم، قال: ثنا شعبة ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة، قال: "أتى النبي -عليه السلام- سباطة قوم فبال قائما، ثم دعا بماء، فجئته بماء فتوضأ".

                                                الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن سعيد بن عامر الضبعي ، عن شعبة ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة .

                                                وأخرجه أبو داود: ثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم، قالا: ثنا شعبة، قال: وثنا مسدد، قال: ثنا أبو عوانة -وهذا لفظ حفص- عن سليمان ، عن أبي وائل ، عن حذيفة، قال: "أتى رسول الله -عليه السلام- سباطة قوم فبال قائما، ثم دعا بماء فمسح على خفيه -قال مسدد-: فذهبت أتباعد، فدعاني حتى كنت عند عقبه".

                                                الثالث: عن أبي بكرة أيضا، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري ، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري ، عن سليمان الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة .

                                                وأخرجه مسلم: ثنا يحيى بن يحيى التميمي، قال: ثنا أبو خيثمة ، عن الأعمش ، عن شقيق ، عن حذيفة قال: "كنت مع النبي -عليه السلام- فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائما، فتنحيت، فقال: ادنه، فدنوت حتى قمت عقيبه، فتوضأ ومسح على خفيه".

                                                الرابع: عن أبي بكرة أيضا، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي ، عن سفيان الثوري ، عن منصور بن المعتمر ، عن أبي وائل شقيق ، عن حذيفة .

                                                وأخرجه النسائي: أنا سليمان بن عبيد الله، قال: ثنا بهز، قال: ثنا شعبة ، عن سليمان ومنصور ، عن أبي وائل ، عن حذيفة: "أن النبي -عليه السلام- مشى إلى سباطة قوم [ ص: 382 ] فبال قائما"، وقال سليمان في حديثه: "ومسح على خفيه"، ولم يذكر [منصور] المسح.

                                                وأخرجه الترمذي أيضا: حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة: "أن النبي -عليه السلام- أتى سباطة قوم فبال عليها قائما، فأتيته بوضوء، فذهبت لأتأخر عنه، فدعاني حتى كنت عند عقبيه، فتوضأ ومسح على خفيه".

                                                وأخرجه ابن ماجه أيضا: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا شريك وهشيم ووكيع ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة: "أن رسول الله -عليه السلام- أتى سباطة قوم فبال عليها قائما".

                                                قوله: "سباطة قوم" بضم السين وتخفيف الباء الموحدة، وهي ملقى الزبالة والتراب ونحوها، وتكون بفناء الدار مرفقا لأهلها.

                                                وقال الخطابي: ويكون في الأغلب سهلا دمثا لا يحد فيه البول، ولا يرتد على البائل، ويقال: السباطة الكناسة نفسها، وإضافتها إلى القوم إضافة تخصيص لا ملك، لأنها كانت مواتا مباحة.

                                                قوله: "ثم أتي بوضوء" بفتح الواو، وهو الماء الذي يتوضأ به.

                                                ثم ذكروا في بوله -عليه السلام- قائما وجوها:

                                                الأول: ما روي عن الشافعي: أن العرب كانوا يستشفون لوجع الصلب بالبول قائما، قال: فنرى أنه -عليه السلام- كان به وجع الصلب إذ ذاك.

                                                والثاني: ما رواه البيهقي برواية ضعيفة: أنه -عليه السلام- بال قائما لعلة بمأبص، والمأبص: بهمزة ساكنة بعد الميم ثم باء موحدة، وهو باطن الركبة.

                                                [ ص: 383 ] الثالث: أنه -عليه السلام- لم يجد مكانا للقعود، فاضطر إلى القيام، لكون الطرف الذي يليه من السباطة كان عاليا مرتفعا.

                                                الرابع: ما ذكره القاضي عياض، لكون البول قائما حالة يؤمن فيها خروج الحدث من السبيل الآخر في الغالب، بخلاف حالة القعود، ولذلك قال عمر - رضي الله عنه -: "البول قائما حصن للدبر" .

                                                والخامس: أنه -عليه السلام- فعله بيانا للجواز في هذه المرة، وكانت عادته المستمرة البول قاعدا، فدل عليه حديث عائشة المذكور في أول الباب.

                                                وأما بوله -عليه السلام- في سباطة قوم فيحتمل وجوها:

                                                الأول: وهو الأظهر، أنهم كانوا يؤثرون ذلك ولا يكرهونه بل يفرحون به، ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه، والأكل من طعامه، والاستمداد من محبرته، ولهذا ذكر علماؤنا: أن من دخل بستان غيره يباح له الأكل من فاكهته، إذا كان بينه وبين صاحب البستان انبساط وصحبة.

                                                والثاني: أنها لم تكن مختصة بهم، بل كانت بفناء دورهم للناس كلهم، فأضيفت إليهم لقربها منهم.

                                                والثالث: أن يكونوا أذنوا لمن أراد قضاء الحاجة صريحا أو دلالة.

                                                فإن قيل: قد روي أنه -عليه السلام- إذا أراد حاجة أبعد، فكيف بال في السباطة التي بقرب الدار؟

                                                قلت: لعله كان مشغولا بأمور المسلمين والنظر في مصالحهم، وطال عليه مجلس حتى حرقه البول، فلم يمكنه التباعد، ولو أبعد لتضرر، وارتاد السباطة لدمثها، وقام حذيفة بقربه ليستره من الناس.




                                                الخدمات العلمية