الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3050 - بكر بن شاذان بن بكر ، أبو القاسم المقرئ الواعظ .

ولد سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ، وسمع جعفرا الخلدي ، وأبا بكر الشافعي ، وقرأ القرآن على جماعة ، روى عنه الأزهري ، والخلال ، وكان ثقة أمينا صالحا . [ ص: 104 ]

أخبرنا أبو منصور القزاز ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت ، قال : حدثني الحسن بن غالب المقرئ أن بكر بن شاذان وأبا الفضل التميمي جرى بينهما كلام ، فبدر من أبي الفضل كلمة ثقلت على بكر وانصرفا ، ثم ندم التميمي فقصد أبا بكر بن يوسف ، فقال له : قد كلمت بكرا بشيء جفا عليه وندمت على ذلك ، وأريد أن تجمع بيني وبينه ، فقال له ابن يوسف : سوف يخرج لصلاة العصر ، فخرج بكر وجاء إلى ابن يوسف والتميمي عنده ، فقال له التميمي : أسألك أن تجعلني في حل ، فقال : سبحان الله ما فارقتك حتى أحللتك ، وانصرف فقال التميمي : قال لي والدي : يا عبد الواحد احذر أن تخاصم من إذا نمت كان منتبها ؟ قال ابن غالب وانصرف التميمي . وكان لبكر ورد من الليل لا يخل به .

توفي في شوال هذه السنة ، وله نيف وثمانون سنة ، ولم تفته جمعة قط غير الجمعة التي مات في غدها ، لأنه مات في غداة يوم السبت ، ودفن في مقبرة أحمد .

3051 - بدر بن حسنويه بن الحسين ، أبو النجم الكردي .

من أهل الجبل رتبه عضد الدولة أبو شجاع بعد موت حسنويه ، فكانت له الولاية على الجبل وهمذان والدينور وبروجرد ونهاوند وأسداباذ وغير ذلك ، وقامت هيبته بالشجاعة والسياسة والعدل وكثرة الصدقة وكناه القادر أبا النجم ، ولقبه ناصر الدولة ، وعقد له لواء وأنفذه إليه ، وكانت أعماله آمنة ، فإذا وقف حمل في البرية تركه صاحبه ومضى فجاء بما يحمله عليه ، ولما عاث قومه في البلاد عمل لهم دعوة ، وقدم فيها أنواع الطبائخ ، ولم يقدم خبزا فجلسوا ينتظرون الخبز ، كلوا ، قالوا ، أين الخبز ؟ قال فإذا كنتم [ ص: 105 ] تعلمون أنه لا بد لكم منه فلم أفسدتم الحرث ، لئن يعترض أحدكم بصاحب زرع لأقابلنه بسفك دمه .

واجتاز يوما برجل محتطب وقد حمل الحطب على ظهره وهو يبكي ، فقال له :

ما لك ؟ قال : إني ما استطعمت البارحة طعاما ، وكان معي رغيفان أريد أن أتغذى بهما وأبيع الحطب ، وأتقوت بثمنه أنا وعيالي ، فاجتازني أحد الفرسان فأخذ الرغيفين ، فقال : هل تعرفه ؟ قال : بوجهه ، فجاء به إلى مضيق فوقف معه حتى اجتاز العسكر فمر صاحبه فقال : هذا ، فأمر بدر أن ينزل عن فرسه وألزمه حمل الحطب على ظهره في البلد وبيعه وتسليم ثمنه إلى صاحبه جزاء لما فعل ، فرام الرجل أن يفتدي نفسه بمال حتى بلغ بوزن الحطب دراهم ، فلم يقبل منه حتى فعل ما أمره به ، فقامت الهيبة في النفوس ولم يقدم بعدها أحد من أصحابه على شيء ، وكانت جراياته وصدقاته متصلة على الفقهاء والأشراف والقضاة والشهود والأيتام والضعفاء ، وكان يصرف كل سنة ألف دينار إلى عشرين رجلا يحجون عن والدته ، وعن عضد الدولة لأنه كان السبب في ملكه ، وكان يتصدق في كل جمعة بعشرة آلاف درهم على الضعفاء والأرامل ويصرف [في ] كل سنة ثلاثة آلاف دينار إلى الأساكفة والحذائين بين همذان وبغداد ليقيموا للمنقطعين من الحاج الأحذية ، وكان يصرف إلى تكفين الموتى كل شهر عشرين ألف درهم ، ويعمر القناطر ، واستحدث في أعماله ثلاثة آلاف مسجد وخان للغرباء ، ولم يمر بماء جار إلا بنى عنده قرية ، وكان ينفذ كل سنة في الصدقات على أهل الحرمين وخفر الطريق ومصالحها مائة ألف دينار ، وكان ينفق على عمارة المصانع وتنقية الآبار ، وجمع العلوفة في الطريق ، وكان يعطي سكان المنازل رسوما لقيامها ويحمل إلى الحرمين والكوفة وبغداد ما يفرق على الأشراف والفقهاء والقراء والفقراء وأهل البيوتات ، فلما توفي انقطع ذلك وأثر في أحوال أهله ووقف أمر الحج ، وكان يكثر من الصلاة والتسبيح ولا يقطع بره عن أحد لذنب ، فإن مات أعاد ذلك على ولده ، وكان يرتفع إلى خزانته في كل [ ص: 106 ] سنة بعد المؤن [والصدقات ] عشرون ألف درهم لأنه كان يعمر الأماكن [ويعدل ] وكان له من الدواب المرتبطة ألف وسبعمائة ، وفي الجشير عشرون ألف رأس ، وكان بدر قد حاصر حسن بن مسعود الكردي فضجر أصحابه من طول الحصار فجاءه رجل كردي ، فقال له : إنهم قد عزموا على قتلك ، فقال : من هؤلاء الكلاب حتى يقدموا على ذلك ؟ فعاوده فقال : لا أريد نصحك ، فهجموا عليه فقتلوه ونهبوا معسكره .

توفي في هذه السنة ، وكانت مدة إمارته اثنتين وثلاثين سنة ، وحمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام فدفن به ، ووجد في قلعته أربعة عشر ألف بدرة عينا ، وأربعين ألف بدرة ورقا .

3052 - الحسن بن الحسين بن حمكان ، أبو علي الهمذاني .

أحد فقهاء الشافعية ، نزل بغداد بقرب دار القطن في نهر طابق ، وحدث عن الخلدي والنقاش وغيرهما من البغداديين والبصريين ، وكان في شبيبته قد عني بالحديث ، وقال : كتبت بالبصرة عن أربعمائة ونيف وسبعين شيخا ، ثم طلب الفقه بعد ، فدرس على أبي حامد المروروذي . روى عنه الأزهري ، وقال : كان ضعيفا ليس بشيء في الحديث .

توفي في جمادى الأولى من هذه السنة ودفن في منزله .

3053 - [الحسن بن عثمان بن بكران بن جابر ، أبو محمد العطار

: [ ص: 107 ]

ولد في سنة ثلاثين وثلاثمائة . سمع إسماعيل الصفار ، وأبا عمرو بن السماك ، والنجاد ، والنقاش . روى عنه الخلال ، والبرقاني ، والصيمري . وكان ثقة صالحا دينا .

توفي في شعبان هذه السنة ودفن في مقبرة باب حرب ] .

3054 - عبد الله بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم ، أبو محمد الأسدي المعروف بابن الأكفاني :

ولد سنة ست عشرة وثلاثمائة ، وحدث عن القاضي المحاملي ، ومحمد بن مخلد ، وابن عقدة وغيرهم روى عنه البرقاني ، والتنوخي .

أخبرنا أبو منصور القزاز ، أخبرنا أبو بكر بن ثابت ، قال : قال لي التنوخي : قال لي أبو إسحاق الطبري : من قال إن أحدا أنفق على العلم مائة ألف دينار غير أبي محمد ابن الأكفاني ، فقد كذب ، وقال لي التنوخي : ولي ابن الأكفاني قضاء مدينة المنصور ، ثم ولي قضاء باب الطاق ، وضم إليه سوق الثلاثاء ، ثم جمع له قضاء جميع بغداد في سنة ست وتسعين وثلاثمائة .

توفي أبو محمد الأكفاني في صفر هذه السنة عن خمس وثمانين سنة ، ولي منها القضاء أربعين سنة نيابة ورياسة ، ودفن في داره بنهر البزازين .

3055 - عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس ، أبو سعد الحافظ الإستراباذي .

ويعرف بالإدريسي ، كان أبوه من إستراباذ ، وسكن هو سمرقند ، وكان أحد من [ ص: 108 ] رحل في طلب العلم وعني بالحديث ، وسمع من الأصم ، وصنف تاريخ سمرقند وعرضه على الدارقطني ، فقال : هذا كتاب حسن ، وحدث ببغداد فسمع منه الأزهري ، والتنوخي ، وكان ثقة . وتوفي في هذه السنة .

3056 - عبد السلام بن الحسين بن محمد بن أحمد البصري اللغوي .

ولد سنة تسع وعشرين وثلاثمائة . سمع من جماعة وحدث ببغداد ، وكان صدوقا عالما أديبا وقارئا للقرآن عارفا بالقراءات ، وكان يتولى النظر ببغداد في دار الكتب ، وكان سمحا جوادا ، وربما جاءه السائل وليس معه شيء يعطيه فيدفع إليه بعض كتبه التي لها قيمة كثيرة .

وتوفي في محرم هذه السنة ، ودفن بالشونيزية عند قبر أبي علي الفارسي .

3057 - عبد الغفار بن عبد الرحمن ، أبو بكر الدينوري الفقيه :

كان آخر من أفتى على مذهب سفيان الثوري ببغداد في جامع المنصور ، وكان إليه النظر في الجامع والقيام بأمره .

توفي في شوال هذه السنة ، ودفن في المقبرة خلف الجامع .

3058 - عبد العزيز بن عمر بن محمد بن نباتة ، أبو نصر السعدي الشاعر :

له شعر موصوف .

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد ، أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ، قال : أنشدنا علي بن محمد بن الحسن ، الحربي ، قال : أنشدنا أبو نصر بن نباتة لنفسه :


وإذا عجزت عن العدو فداره وامزح له إن المزاح وفاق [ ص: 109 ]     فالنار بالماء الذي هو ضده
تعطي النضاج وطبعها الإحراق

توفي أبو نصر في شوال هذه السنة .

3059 - محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم ، أبو عبد الله الحاكم الضبي يعرف بابن البيع :

من أهل نيسابور ولد في سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ، وأول سماعه في سنة ثلاثين ، وكان من أهل الفضل والعلم والحفظ للحديث ، وله في علوم الحديث مصنفات قدم بغداد وحدث عن أبي عمرو بن السماك ، والنجاد ، ودعلج وغيرهم ثم عاد فوردها وقد علت سنه فحدث بها عن أبي العباس الأصم وغيره .

روى عنه الدارقطني ، وابن أبي الفوارس ، وغيرهما ، وكان ثقة .

إلا أنه قد أخبرنا أبو منصور القزاز ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن ثابت قال : كان ابن البيع يميل إلى التشيع ، فحدثني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأرموي ، قال : جمع الحاكم أبو عبد الله أحاديث زعم أنها صحاح على شرط البخاري ومسلم يلزمهما إخراجها في صحيحهما ، منها : "حديث الطائر" ، "ومن كنت مولاه فعلي مولاه" ، فأنكر عليه أصحاب الحديث ولم يلتفتوا فيه إلى قوله ولا صوبوه في فعله .

أخبرنا محمد بن ناصر ، أخبرنا محمد بن طاهر المقدسي الحافظ ، قال : قال أبو عبد الله الحاكم : حديث الطائر لم يخرج في الصحيح وهو صحيح . قال ابن طاهر :

حديث موضوع إنما جاء من سقاط أهل الكوفة عن المشاهير والمجاهيل عن أنس وغيره ، [ ص: 110 ] قال ابن طاهر : فلا يخلو الحاكم من أمرين : إما أنه يجهل الصحيح فلا يعتمد على ما يقوله ، وإما يعلمه ثم يقول خلافه فيكون معاندا كذابا .

أنبأنا محمد بن عبد الباقي ، عن أبي محمد التميمي ، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : دخلت على الحاكم أبي عبد الله وهو في داره لا يمكنه الخروج إلى المسجد من جهة أصحاب أبي عبد الله بن كرام ، وذلك أنهم كسروا منبره ومنعوه من الخروج ، فقلت له : لو خرجت وأمليت في فضائل هذا الرجل يعني معاوية لاسترحت من هذه المحنة ، فقال : لا يجيء من قلبي ، لا يجيء من قلبي ، لا يجيء من قلبي .

توفي الحاكم بنيسابور في صفر هذه السنة .

3060 - هبة الله بن عيسى :

كاتب مهذب الدولة علي بن نصر البطائحي كان وزيره ومدبر أمره وكان من أشد الكتاب ومترسليهم وكان يفضل على الأدباء والعلماء ومن شعره .


أضنن بليلى وهي غير سخية     تبخل ليلى بالهوى وأجود
وأعذل في ليلى ولست بمنته     وأعلم أني مخطئ وأعود

وقد ذكرنا خدمته للقادر وملاطفته له حين أقام عندهم بالبطيحة ، وتحديث القادر له بالمنام الذي رآه ، توفي في ربيع الأول من هذه السنة .

3061 - يوسف بن محمد بن كج ، أبو القاسم :

كان من شيوخ الشافعيين ، وكانت له نعمة عظيمة ، وولي القضاء بالدينور وأعمال بدر بن حسنويه ، فلما تغيرت البلاد بهلاك بدر بن حسنويه قتله قوم من العيارين ليلة سبع وعشرين من رمضان هذه السنة . [ ص: 111 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية