الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        37420 - قال مالك : والأمر عندنا في موضحة العبد نصف عشر ثمنه ، وفي منقلته العشر ونصف العشر من ثمنه ، وفي مأمومته وجائفته ، [ ص: 153 ] في كل واحدة منهما ثلث ثمنه ، وفيما سوى هذه الخصال الأربع ، مما يصاب به العبد ما نقص من ثمنه ، ينظر في ذلك بعدما يصح العبد ويبرأ ، كم بين قيمة العبد بعد أن أصابه الجرح ، وقيمته صحيحا قبل أن يصيبه هذا ؟ ثم يغرم الذي أصابه ما بين القيمتين .

                                                                                                                        37421 - قال مالك : في العبد إذا كسرت يده أو رجله ثم صح كسره ، فليس على من أصابه شيء ، فإن أصاب كسره ذلك نقص أو عثل ، كان على من أصابه قدر ما نقص من ثمن العبد .

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        37422 - قال أبو عمر : ما ذكره مالك - رحمه الله - عن سعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، في موضحة العبد مستعملة في الأربعة الجراح ، الموضحة ، والمنقلة ، والمأمومة ، والجائفة ، دون غيرها من الجراحات والشجاج ، لأنها إذا برئ العبد الذي أصيب بها ، لم ينقصه من ثمنه ذلك شيئا ، وهي جراح قد ورد التوقيف في أرشها ، في الحر ، فجعل فيها من ثمنه كما في الحر من ديته ، وأجراه فيها مجرى الحر ، قياسا عليه ، ورأى أن قياسه فيها على الحر ، أولى من قياسه على السلع ، لأنه حيوان عاقل مكلف ، متعبد ، ليس كالبهائم ، ولا كالسلع التي يراعى فيها ما نقص من ثمنها .

                                                                                                                        37423 - واستعمل ما روي عن مروان بن الحكم ، في ماعدا هذه الجراح الأربع ; لأن ما عداها ينقص من ثمن العبد لا محالة عنده ، فاستعمل الخبرين جميعا ، وذكر أن ذلك الأمر عندهم .

                                                                                                                        [ ص: 154 ] 37424 - وروى ابن القاسم ، عن مالك ، أنه قال : إن فقأ حر عيني عبد غيره ، أو قطع يده ، ضمنه ، وعتق عليه ، لأنه أبطله ، فإن كان جرحا ، لم يبطله مثل فقء عين واحدة ، أو جدع أنف ، فعليه ما نقص من ثمنه ، ولا يعتق عليه .

                                                                                                                        37425 - وأما أبو حنيفة ، فذهب إلى أن جراح العبد من قيمته ، كجراح الحر من ديته ، فجعل في عينه نصف قيمته ، وجعل في يده نصف قيمته ، وفي رجله نصف قيمته ، وفي أنفه قيمته كلها ، كما في أنف الحر ديته كلها ، وكذلك سائر جراحاته ، وشجاجه ، وأسنانه ، جعل فيها كمن قيمته ، مثل ما فيها للحر من ديته .

                                                                                                                        37426 - وروي ذلك عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وعن شريح ، والشعبي ، وإبراهيم ، وسعيد بن المسيب ، وعمر بن عبد العزيز .

                                                                                                                        37427 - وقال أبو يوسف مثل قول أبي حنيفة ، في أعضاء العبد وجراحاته ، إلا أنهما اختلفا في الحاجبين ، والأذنين .

                                                                                                                        37428 - فقال أبو حنيفة : في أذن العبد ، ونتف حاجبه ، إذا لم ينبت ما نقصه .

                                                                                                                        37429 - وقال أبو يوسف : في الحاجب والأذن ، في كل واحد منهما نصف قيمة العبد ، كما تجب في ذلك من الحر نصف ديته .

                                                                                                                        37430 - وقال محمد بن الحسن : في جميع ما يتلف من أعضاء العبد والنقصان ، ينظر إلى قيمته صحيحا ، وإلى قيمة دية الجناية : فيغرم الجاني فضل ما [ ص: 155 ] بينهما .

                                                                                                                        37431 - وروى محمد ، عن زفر ، مثل قوله .

                                                                                                                        37432 - وروى الحسن بن زياد ، عن زفر ، مثل قول أبي حنيفة ، إلا أن أبا حنيفة يقول : إن بلغت جراح العبد دية حر ، نقص منها عشرة دراهم ، لأنه لا يكافئه فيما دون النفس ، ولو قطع حر يد عبد ، قيمتها خمسة آلاف ، نقص منها خمسة دراهم .

                                                                                                                        37433 - وقال زفر : عليه ما نقصه ، على رواية محمد عنه ، فإن بلغ ذلك أكثر من خمسة آلاف ، كان عليه خمسة آلاف درهم ، لا زيادة .

                                                                                                                        37434 - وقال أبو حنيفة ، في حر فقأ عيني عبد لغيره : إن سيد العبد إن شاء أسلمه إلى الذي فقأ عينه ، وأخذ قيمته ، وإن شاء أمسكه ، ولا شيء له عليه من النقصان .

                                                                                                                        37435 - وقال أبو يوسف ، ومحمد : إن شاء أمسكه وأخذ النقصان ، وإن شاء دفعه وأخذ قيمته .

                                                                                                                        37436 - وقال زفر : عليه ما نقصه ، فإن بلغ أكثر من عشر آلاف درهم ، كان عليه عشرة آلاف درهم ، لم يزد عليها .

                                                                                                                        37437 - وقال الأوزاعي : في يد العبد نصف ثمنه .

                                                                                                                        37438 - وقال الثوري : إذا أصيب من العبد ما يكون نصف ثمنه ، من يد ، أو رجل ، أخذ مولاه نصف ثمنه ، إذا كان قد برئ ، وإذا أصيب أنفه ، أو [ ص: 156 ] ذكره ، دفعه مولاه إلى الذي أصابه ، وأخذ ثمنه إن كان قد برئ .

                                                                                                                        37439 - وقال الحسن بن حي : جراحة المملوك في قيمته ، مثل جراحة الحر في ديته ، فإن قطع أذنيه ، أو فقأ عينيه ، فإن شاء المولى أخذ النقصان ، وإن شاء أخذ القيمة ، ودفعه إلى الجاني .

                                                                                                                        37440 - وقال الليث ، في رجل خصى غلاما لرجل ، وكان ذلك زائدا في ثمن الغلام ، فإنه يغرم ثمنه كله لسيده ، زاد أو نقص ، ويعاقب في ذلك .

                                                                                                                        37441 - وقال الشافعي : جراح العبد من ثمنه ، كجراح الحر من ديته ، اتباعا لعمر ، وعلي ، وسعيد بن المسيب ، وغيرهم .

                                                                                                                        37442 - قال : وفي ذكره ثمنه ، ولو زاد القطع في ثمنه أضعافا ، لأنه فيه على عاقلته قيمته ، بالغا ما بلغت .

                                                                                                                        37443 - قال : وقياسه على الحر أولى من قياسه على العبد الذي ليس فيه إلا ما نقصه ، لأن في قتله خطأ ، دية ورقبة مؤمنة كفارة ، وليس كذلك البهائم والمتاع ، ولا تقتل البهيمة بمن قتلت من المسلمين ، كما يقتل العبد ، ولا عليها صلاة ، ولا صوم ، ولا عبادة ، فهو أشبه بالحر منه بالسلع ، وثمنه فيه ، كالدية في الحر .

                                                                                                                        37444 - قال أبو عمر : سنذكر اختلافهم في قيمة العبد إذا قتل ، هل يبلغ بها دية الحر أم لا ؟ في آخر باب ما يوجب العقل على الرجل في خاصة ماله ، إن شاء الله ( عز وجل ) .




                                                                                                                        الخدمات العلمية