الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
ولو أوصى لرجل بخاتم ولآخر بفصه كان كما أوصى ولا شيء لصاحب الخاتم من الفص ، ولو قال هذه القوصرة لفلان وما فيها من الثمرة لفلان كان كما أوصى ، فأما إذا فصل أحد الإيجابين عن الآخر في هذه المسألة فعلى قول أبي يوسف الجواب كذلك ، وعلى قول محمد تكون الأمة للموصى له بها والولد بينهما نصفان ، وكذلك الخاتم والفص والقوصرة والثمر . وجه قول أبي يوسف أن بإيجابه في الكلام الثاني يبين أن مراده من الكلام الأول إيجاب الأمة للموصى له بها دون الولد ، وهذا البيان منه صحيح ، وإن كان مفصولا ; لأن الوصية لا تلزمه شيئا في حال فيكون حالة البيان الموصول فيه والمفصول سواء كما في الوصية بالرقبة والخدمة ، فإن هناك المفصول والموصول سواء في الحكم ومحمد يقول اسم الخاتم يتناول الحلقة والفص جميعا فاسم الجارية يتناولها وما في بطنها ، وفي القوصرة كذلك ، ومن أصلنا أن العام موجبه ثبوت الحكم في كل ما يتناوله على سبيل الإحاطة بمنزلة الخاص فاجتمع في الفص الوصية لكل واحد منهما بإيجاب على حدة فيجعل الفص بينهما نصفين ولا يكون إيجاب الوصية للثاني فيه دليل الرجوع عن الأول كما لو أوصى بالخاتم للثاني بخلاف الخدمة مع الرقبة فاسم الرقبة لا يتناول الخدمة ولكن الموصى له بالرقبة إنما يستخدمها ; لأن المنفعة تحدث على ملكه ولا حق للغير فيه ، فإذا أوجب الخدمة لغيره لا يبقى للموصى له بالرقبة حق بخلاف ما إذا كان الكلام موصولا ; لأن ذلك بمنزلة دليل التخصيص أو الاستثناء فتبين أنه أوجب لصاحب الخاتم الحلقة خاصة دون الفص ، فإذا جنى العبد الموصى له بخدمته ورقبته جناية فالفداء على صاحب الخدمة ; لأن فيما هو المقصود بالعبد ، وهو الاستخدام هو المختص به كالمالك وبالفداء تسلم الخدمة له ولا يسلم لصاحب الرقبة شيء في الحال ، فإذا فداه خدمه على حاله ; لأنه طهره عن الجناية .

وإن مات صاحب الخدمة انتقضت الوصية ; لأن الحق للموصى له في الخدمة لا يحتمل التوريث ; لأنها لا تبقى وقتين فلا يتصور أن يكون مملوكه للمورث ، ثم للوارث فتبطل الوصية بموته عندنا خلافا للشافعي ، فإنه يرى توريث المنفعة ، وقد بينا هذا في الإجارات ، ثم يقال لصاحب الرقبة أد إلى ورثته ذلك الفداء ; لأنه ظهر أن صاحب الرقبة هو المنتفع بذلك الفداء ، فإن خدمة العبد تسليم له ، وقد كان الموصى له مضطرا إلى ذلك الفداء فلا يكون متبرعا فيه ، فإن أبى أن يرد الفداء [ ص: 185 ] على ورثته بيع فيه العبد وكان بمنزلة الدين في عتقه ; لأنه إنما جنى العبد بذلك الفداء ، ولولاه لكانت نفسه مستحقة بالجناية ، وإذا أبى صاحب الخدمة في أول الأمر أن يفدي لم يجز على ذلك ; لأنه لا يملك شيئا من الرقبة ، وقد رضي ببطلان حقه في الخدمة حين أبى أن يفدي ويقال لصاحب الرقبة ادفعه أو افده فأيهما صنع بطلت وصية صاحب الخدمة ; لأنه إن دفعه ، فقد فات محل وصيته ، وإن فداه ، فإنما يفديه بما أسلم له من خدمته والموصى له حين أبى أن يفديه ، فقد رضي بصيرورة العبد مستهلكا فيما لحقه من الجناية والغرم ، ولو قتل رجل العبد خطأ ولم يجن العبد فعلى عاقلة القاتل قيمته يشتري بها عند عدم صاحب الخدمة ; لأن القيمة قائمة مقام الرقبة ، وقد كانت الرقبة للموصى له بها مشغولة له بحق الموصى له بالخدمة فيها فكذلك ما يقوم مقامها ولا يقال حق الموصى له بالخدمة في المنفعة والمنفعة لا تتقوم بالإتلاف ; لأن الوصية بالخدمة ، وإن تعلقت بالمنفعة فالاستحقاق بها يتعدى إلى العين .

ولهذا يعتبر خروج العين من الثلث والقيمة بدل العين فيشتري بها ما يقوم مقام العين الأولى ويثبت فيه حق صاحب الخدمة كما كان ثابتا في الأولى ، وإن كان القتل عمدا فلا قصاص فيه إلا أن يجتمع على ذلك صاحب الرقبة وصاحب الخدمة أما صاحب الرقبة فلأنه هو المالك للعبد وولاية استيفاء القصاص تثبت بملك الرقبة ، وأما صاحب الخدمة فلأن في استيفاء القصاص إبطال حقه في الخدمة ، وهو حق لازم له فلا يجوز إبطاله بغير رضاه ، فإن اختلفا فيه تعذر استيفاء القصاص فوجب قيمته في مال القاتل يشتري بها عبدا فيخدمه مكانه ; لأن في استيفاء المال مراعاة الحقين ، ولو فقأ رجل عينيه أو قطع يده دفع العبد وأخذت قيمته صحيحا ; لأن هذه الجناية استهلاك له حكما فيعتبر باستهلاكه حقيقة فيوجب قيمته صحيحا من الجاني بعد تسليم الجثة إليه ويشتري بها عبدا مكانه ، ولو قطعت يده أو فقئت عينه أو شج موضحة فأدى القاتل أرش ذلك ، فإن كانت الجناية تنقص الخدمة اشترى بالأرش عبدا آخر يخدم صاحب الخدمة مع العبد الأول ; لأن الأرش بدل الفائت بالجناية ، وقد كان حق الموصى له بالخدمة ثابتا في ذلك الجزء ولما كان فواته ينقص الخدمة فيثبت في بدله أيضا أو يباع العبد فيضم ثمنه أيضا إلى ذلك الأرش ويشتري بهما عبدا ليكون قائما مقام الأول ولكن هذا إذا اتفقا عليه ، فإن اختلفا في ذلك لم يبع العبد ; لأن رقبته لأحدهما وخدمته للآخر فلا يجوز بيعه إلا برضاهما ولكن يشتري بالأرش عبدا يخدمه معه .

فإن لم يوجد بالأرش عبد وقف الأرش حتى يصطلحا عليه ، فإن اصطلحا [ ص: 186 ] على أن يقتسماه نصفين أجزت ذلك بينهما ; لأن الحق لا يعدوهما ، فإذا تراضيا فيه على شيء كان لهما ذلك ولا يكون ما يستوفيه الموصى له بالخدمة من نصف الأرش بدلا عن نقصان الخدمة ; لأنه لا يملك إلا الاعتياض عن الخدمة ولكن يكون إسقاطا لحقه ذلك بالمال الذي يستوفيه بمنزلة ما لو كان العبد قائما على حاله فصالح الموصى له بالرقبة على مال يستوفيه منه ليسلم العبد إليه ، فإن كانت الجناية لا تنقص الخدمة فالأرش لصاحب الرقبة ; لأنه بدل جزء فات من ملكه وظهر أنه لم يكن لصاحب الخدمة حق في ذلك الجزء حين لم تنتقص الخدمة بفواته وكل مال وهب للعبد أو تصدق به عليه أو اكتسبه فهو لصاحب الرقبة ; لأن الكسب يملك بملك الرقبة ، وهو المختص بملك الرقبة ، ولو كان مكان العبد أمة كان ما ولدت من ولد لصاحب الرقبة ; لأنه تولد من عينها وعينها ملك صاحب الرقبة ونفقة العبد وكسوته على صاحب الخدمة ; لأنه إنما يتمكن من استخدامه إذا أنفق عليه ، فإن العبد لا يقوى على الخدمة إلا بذلك ، وهو أحق بخدمته فيلزمه نفقته كالمستعير ، فإنه ينفق على المستعار وينتفع به ، وإن أبى أن ينفق رده على صاحبه فيلزمه نفقته ، فهذا كذلك أيضا .

التالي السابق


الخدمات العلمية