الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              1931 (17) باب

                                                                                              نسخ الفدية ، ومتى يقضى رمضان

                                                                                              [ 1011 ] عن سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت هذه الآية وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها .

                                                                                              وفي رواية : حتى أنزلت هذه الآية : فمن شهد منكم الشهر فليصمه .

                                                                                              رواه البخاري (4506)، ومسلم (1145) (149 و 150 )، وأبو داود (2315)، والترمذي (798)، والنسائي (4 \ 190.

                                                                                              [ ص: 202 ]

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              [ ص: 202 ] (17) ومن باب: نسخ الفدية

                                                                                              قوله تعالى : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين اختلف في قراءتها ، وفي معناها ، فأما قراءتها : فالجمهور على : (يطيقونه) بكسر الطاء وسكون الياء ، وأصله : يطوقونه ، وكذلك قراءة حميد .

                                                                                              ومشهور قراءة ابن عباس : " يطوقونه " . وقد روي عنه : " يطيقونه " . وقرأت عائشة وطاوس وعمرو بن دينار : " يطوقونه " .

                                                                                              فأما قراءة الجمهور فمعناها : يقدرون عليه . وعلى هذا تكون الآية منسوخة كما قال سلمة بن الأكوع ، وابن عمر ، ومعاذ بن جبل ، وعلقمة ، والنخعي ، والحسن ، والشعبي ، وابن شهاب .

                                                                                              وقال السدي : هم الذين كانوا يطيقونه وهم بحال الشباب ثم استحالوا بالشيخ فلا يستطيعون الصوم . وهي عنده محكمة ، وتلزم الشيوخ عنده الفدية . ونحوه عن ابن عباس ، وزاد : المريض الذي لا يقدر على الصوم ، وعضد هذا بقراءته المذكورة قبل .

                                                                                              قال القاضي أبو محمد بن عطية : الآية عند مالك ; إنما هي فيمن يدركه رمضان وعليه صوم من رمضان المتقدم ، فقد كان يطيق في تلك المدة الصوم ، فترك ، فعليه الفدية .

                                                                                              وحكى الطبري عن عكرمة : أنه كان يقرؤها : " وعلى الذين يطيقونه فأفطروا " .

                                                                                              [ ص: 203 ] وأما قراءة : " يطوقونه " ; فمعناه : يكلفونه مع المشقة اللاحقة لهم كالمريض والحامل ; فإنهما يقدران عليه ; لكن بمشقة تلحق رضيعها ، فذهب بعض الناس : إلى أنها محكمة لهؤلاء ، فإن صاموا أجزأهم ، وإن افتدوا فلهم ذلك ، وقاله ابن عباس فيما حكاه عنه البخاري ، وأبو داود ، ورأيا : أنها ليست بمنسوخة ; لكنها مثبتة للشيخ والمرأة الكبيرة اللذين لا يستطيعان أن يصوما ، وللحامل والمرضع .

                                                                                              و يطيقونه بالياء مكان الواو مشددة ، مبنيا للمفعول ، مثل : (يطوقونه) بالمعنى . فأما قراءة عائشة : فأصلها : (يتطوقونه) فأدغمت التاء في الطاء ، ومعناها : يتكلفون ذلك بأنفسهم مع المشقة ، ويرجع ذلك لما تقدم في المريض ومن ذكر معه .

                                                                                              فأما قوله تعالى : فدية طعام مسكين ففدية : مرفوع بالابتداء ، والخبر محذوف ; أي : فعليهم فدية ، أو خبر مبتدأ ; أي : فحكمهم فدية . وقراءة نافع وابن عامر : " ففدية طعام " بإضافة " فدية " إلى " طعام " وجمع " مساكين " . وقرأ هشام : " فدية طعام " ، بتنوين فدية ورفع طعام على أن الطعام بدل منها . وقرأ بقية السبعة كذلك ، إلا أنهم وحدوا مساكين وهي قراءة : حسنة ; لأنها بينت : أن الواجب في فطر يوم إطعام مسكين واحد ، فأما الجمع فلا يعرف من مساق الآية هل هم أعني : المساكين - بإزاء يوم واحد ، أو بإزاء أيام ؟ وإنما يعلم ذلك من دليل آخر .

                                                                                              [ ص: 204 ] ثم اختلفوا في مقدار هذا الطعام حيث يجب : فذهب مالك وجماعة من العلماء : إلى أنه مد لكل مسكين بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد تقدم في الزكاة .

                                                                                              وقال أشهب : مد وثلث بمد أهل المدينة . وقال قوم : قوت يوم عشاء وسحور . وقال سفيان الثوري ، وأبو حنيفة : نصف صاع من قمح ، وصاع من تمر أو زبيب .

                                                                                              وقوله : فمن تطوع خيرا فهو خير له ; أي : من تطوع بزيادة على إطعام مسكين ، قاله ابن عباس وجماعة . وقال ابن شهاب : من أراد الإطعام مع الصوم . وقال مجاهد : من زاد في الإطعام على المد .

                                                                                              وخير الأول والثاني بمعنى : أخير ، وأفضل ، معناه : من تطوع بأكثر من ذلك فهو أفضل عند الله .

                                                                                              وقوله : وأن تصوموا خير لكم ; أي : الصوم خير . وكذلك قرأها أبي . ومعناه : أن الصوم أفضل وأولى من الفدية .

                                                                                              وقول سلمة بن الأكوع : إن ذلك نسخ بقوله : فمن شهد منكم الشهر فليصمه هذا مقبول من قول الصحابي ; لأنه أعلم بالمقال ، وأقعد بالحال ، كما إذا قال : أمر ونهى . ووجه النسخ في هذا واضح ; وهو : أن آية الفدية تقتضي التخيير بين الفدية والصوم مطلقا ، كما قال سلمة . وهذه الآية الأخرى جاءت جازمة بالصوم لمن شهد الشهر ، رافعة لذلك التخيير .

                                                                                              ومعنى : شهد الشهر ; أي : حضر فيه مقيما في المصر . هذا قول جمهور العلماء ، وعلى هذا يكون الشهر منصوبا على الظرف ، ويكون معناه عندهم : أن من دخل عليه الشهر وهو مسافر ، أو طرأ عليه فيه سفر ; لم يجب عليه صومه .

                                                                                              وروي عن علي ، وابن عباس ، وعبيدة السلماني : أن معنى من شهد : من حضر دخول الشهر ، وكان مقيما في أوله فليكمل صيامه ، سافر بعد ذلك أو أقام ; وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في السفر .

                                                                                              قلت : وهذا القول يرده فطر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في السفر الطارئ عليهم بفتح مكة ، على ما تقدم . وقد كانوا ابتدؤوا الصوم في الحضر . وقال أبو حنيفة : من [ ص: 205 ] شهد الشهر بشروط التكليف فليصمه ، ومن دخل عليه وهو مجنون ، وتمادى به طول الشهر فلا قضاء عليه ; لأنه لم يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام . ومن جن أول الشهر ، أو آخره ; فإنه يقضي أيام جنونه .

                                                                                              قال القاضي أبو محمد بن عطية : ونصب الشهر على هذا التأويل على المفعول الصريح : بـ (شهد) .

                                                                                              قلت : وتكميله أن يكون شهد بمعنى : شاهد .




                                                                                              الخدمات العلمية