الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              3341 [ 1303 ] وعن أنس قال: لما نزلت: إنا فتحنا لك فتحا مبينا إلى قوله: فوزا عظيما [الفتح : 1-5] مرجعه من الحديبية، وهم مخالطهم الحزن والكآبة، وقد نحر الهدي بالحديبية، قال: " لقد نزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعا: .

                                                                                              رواه أحمد ( 3 \ 122 )، والبخاري (4172)، ومسلم (1786)، والترمذي (3263).

                                                                                              [ ص: 640 ]

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              [ ص: 640 ] وقول سهل بن حنيف : ( أيها الناس اتهموا أنفسكم ) ، وفي الأخرى : (رأيكم) ; يعني به : التثبت فيما كانوا فيه ، والتصبر ، وألا يستعجلوا في أمورهم . ووجه استدلاله بها : أن تلك الحالة كان ظاهرها مكروها لهم ، صعبا عليهم ، فلما تثبتوا في أمرهم ، وأطاعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جعل الله لهم من أمرهم فرجا ومخرجا ، فكأنه يقول لهم : إن صبرتم على المكروه ، وتثبتم في أمركم ، واتقيتم الله ، جعل الله لكم من هذه الفتن مخرجا ، كما جعله لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية .

                                                                                              وقال القاضي عياض : إنما قال ذلك سهل بن حنيف لما ظهر في أصحاب علي من كراهة شأن التحكيم ، ومراوضة الصلح ، وكان الظفر لهم ، حتى رفع لهم أهل الشام المصاحف ، ودعوهم إليها ، ورغبوا في المصالحة.

                                                                                              وقول عمر : ( لم نعطي الدنية في ديننا؟ ) ; يعني بالدنية : الحالة الخسيسة ، ويعني به : الصلح على ما شرطوا . ولم يكن ذلك من عمر شكا ، ولا معارضة ، بل كان استكشافا لما خفي عنه ، وحثا على قتال أهل الكفر ، وإذلالهم ، وحرصا على ظهور المسلمين على عدوهم . وهذا على مقتضى ما كان عنده من القوة في دين الله ، والجرأة والشجاعة التي خصه الله بها . وجواب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر بما جاوباه به يدل : على أن عندهما من علم باطنة ذلك ، وعاقبة أمره ما ليس عند عمر ، ولذلك لم يسكن عمر حتى بشره النبي -صلى الله عليه وسلم- بالفتح ، فسكن جأشه ، وطابت نفسه .

                                                                                              [ ص: 641 ] وقول سهل بن حنيف : ( ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر قط إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه ، إلا أمركم هذا ) ; وضعنا : رفعنا هنا ; أي : وضعناها على عواتقنا . والعواتق : جمع عاتق ، وهو من المنكب وما يليه إلى العنق ، وهو الكاهل ، والكتد ، والثبج .

                                                                                              و ( أسهلن ) ; أي : حملتنا إلى أمر سهل ، وهو من : أسهل : إذا دخل سهلا من الأرض ، كأنجد ، وأشأم ، وأعرق : إذا دخل تلك المواضع .

                                                                                              ويعني بهذا الكلام : أن كل قتال قاتل فيه ما رفع سيفه فيه إلا عن بصيرة لعاقبة أمره ، فسهل عليه بسببها ما يلقاه من مشقات الحروب ، غير تلك الأمور التي كانوا فيها ، فكانوا كلما لاح لهم فيها مصلحة وعاقبة حسنة ظهر لهم نقيضها . ويدل على صحة هذا قوله : ( ما فتحنا منها من خصم إلا انفجر علينا منه خصم ) . أصل الخصم : طرف الشيء وجانبه الذي يؤخذ به . وخصم الراوية : طرفها . وخصم العدل : جانبه الذي يؤخذ به .

                                                                                              [ ص: 642 ] وقوله : ( ما فتحنا ) وهم من بعض الرواة ، وصوابه : (ما سددنا) ; لأنه مقابل : ( انفجر علينا ) ، وكذا وقع في البخاري : (سددنا) مكان : ( فتحنا ) .

                                                                                              وهذا الحديث يدل على جواز الصلح على ما شرطه العدو عند ضعف المسلمين عن مقاومة عدوهم ، وعند الحاجة إلى ذلك ، ولا خلاف في جواز الصلح عند ذلك ، إلا ما ذكر من الخلاف في رد من جاء مسلما ، وكذلك لو صولحوا على مال يؤخذ منهم ، فأما إن لم تدع حاجة ، ولا ضرورة إلى ذلك ، ولم يكن للعدو قوة إلا لما بذلوه من المال. فأجاز ذلك جماعة منهم : الأوزاعي . ومنع ذلك مالك وأصحابه ، وعلماء المدينة .

                                                                                              واختلف في مقدار مدة الصلح حيث يجوز . فقال مالك : ذلك مفوض إلى اجتهاد الإمام . وحد الشافعي أكثره بعشرة أعوام بناء منه على صلح الحديبية [ ص: 643 ] فإنه كان عشر سنين ، واختلف فيها ، فقال عروة بن الزبير : كانت أربع سنين . وقال ابن جريج : ثلاث سنين . والأول أشهر .




                                                                                              الخدمات العلمية