الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                584 585 586 587 588 ص: وقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أيضا ما يدل على خلاف ما رواه نافع في حديث محمد بن ثابت الذي ذكرناه فيما تقدم في كتابنا هذا.

                                                [ ص: 237 ] حدثنا يونس ، قال: ثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن سعيد بن الحويرث ، عن ابن عباس: " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج من الخلاء، فطعم، فقيل له: ألا توضأ؟ فقال: "إني لا أريد أن أصلي فأتوضأ".

                                                حدثنا أبو بكرة ، قال: نا أبو عاصم ، قال: نا ابن جريج ، قال: أخبرني سعيد بن الحويرث .. ... فذكر مثله بإسناده.

                                                حدثنا ابن أبي داود، قال: نا محمد بن المنهال ، قال: ثنا يزيد بن زريع ، قال: نا روح بن القاسم ، عن عمرو بن دينار ..... فذكره بإسناده مثله.

                                                حدثنا محمد بن الحجاج ، قال: نا خالد بن عبد الرحمن ، قال: نا حماد بن سلمة ، عن عمرو ... ، مثله بإسناده.

                                                أفلا ترى أن رسول الله لما قيل له: "ألا توضأ؟ " قال: "أأريد الصلاة فأتوضأ؟! ". .

                                                فأخبر أن الوضوء إنما يراد للصلاة لا للذكر، فهذا معارض لما رويناه عن ابن عباس في أول هذا الباب، وهذا أولى؛ لأن ابن عباس عمل به بعد رسول الله - عليه السلام - فدل عمله به على أنه هو الناسخ.

                                                التالي السابق


                                                ش: أشار بهذا إلى أن ما روي عن ابن عباس من حديث محمد بن ثابت العبدي عن نافع، عنه، الذي مضى ذكره في صدر هذا الباب قد نسخ بما رواه عن سعيد بن الحويرث مخالفا له في حكمه؛ لأن في حديث محمد بن ثابت ذكر أنه - عليه السلام - لم يرد السلام على ذاك الرجل، وقال: "إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني كنت لست بطاهر"، وفي حديث سعيد بن الحويرث لما قيل له: "ألا توضأ؟ " قال: "أأريد الصلاة". وبينهما تعارض ظاهرا، ولكن حديث محمد بن ثابت منسوخ، والدليل عليه أن ابن عباس عمل بحديث سعيد بن الحويرث بعد النبي - عليه السلام -، وهذا دليل على أن النسخ ثبت عنده؛ لأن الراوي إذا روى حديثين متعارضين ثم عمل بأحدهما أو أفتى به، يدل على ثبوت نسخ

                                                [ ص: 238 ] الآخر عنده، ثم إنه أخرج حديث ابن عباس هذا من أربع طرق صحاح:

                                                الأول: عن يونس بن عبد الأعلى ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ... إلى آخره.

                                                وهذا على شرط مسلم؛ لأن رجاله كلهم رجاله.

                                                وأخرجه مسلم : أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن سفيان بن عيينة .. إلى آخره نحوه. غير أن في لفظه: "فجاء من الغائط فأتي بطعام"، والباقي مثله سواء.

                                                وأخرجه الدارمي أيضا في "سننه" : عن أبي نعيم ، عن سفيان بن عيينة .. إلى آخره نحو رواية مسلم .

                                                قوله: "فطعم" أي أكل، يقال: طعم يطعم طعما فهو طاعم: إذا أكل أو ذاق، مثل: غنم يغنم غنما فهو غانم، قال الله تعالى: [1\ق149-أ] فإذا طعمتم فانتشروا وقوله تعالى: ومن لم يطعمه فإنه مني أي من لم يذقه.

                                                قوله: "ألا توضأ" أصله تتوضأ، فحذفت إحدى التاءين للتخفيف.

                                                قوله: "فأتوضأ" بالنصب عطفا على قوله: "أن أصلي"، والمعنى لا أريد الصلاة حتى أتوضأ.

                                                الثاني: عن أبي بكرة بكار ، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد ، عن عبد الملك بن جريج .. إلى آخره.

                                                [ ص: 239 ] وأخرجه مسلم : حدثني محمد بن عمرو بن عباد بن جبلة، قال: نا أبو عاصم ، عن ابن جريج، قال: نا سعيد بن حويرث، أنه سمع ابن عباس يقول: "إن النبي - عليه السلام - قضى حاجته من الخلاء، فقرب إليه طعام فأكل؛ ولم يمس ماء" فقال: وزادني عمرو بن دينار ، عن سعيد بن الحويرث: "أن النبي - عليه السلام - قيل له: إنك لم توضأ، قال: ما أردت صلاة فأتوضأ" وزعم عمرو أنه سمعه من سعيد بن الحويرث .

                                                الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود ، عن محمد بن المنهال .. إلى آخره.

                                                وأخرجه الكسي في "مسنده" : أنا عبد الرزاق، أنا معمر ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة .

                                                وعن عمرو بن دينار ، عن سعيد بن الحويرث ، عن ابن عباس: "أن رسول الله - عليه السلام - خرج من الغائط، ثم أراد أن يطعم، فقيل: ألا توضأ؟ فقال إنما أمرتم بالوضوء للصلاة".

                                                الرابع: عن محمد بن الحجاج الحضرمي ، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني ... إلى آخره.

                                                وأخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" : نا حماد بن سلمة وحماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن سعيد بن الحويرث ، عن ابن عباس، قال: "خرج رسول الله - عليه السلام - من الخلاء، فقالوا: نأتيك بوضوء؟ فقال: أأصلي فأتوضأ؟! ".

                                                وأخرجه الطبراني بإسناده : عن عمرو بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال: "خرج النبي - عليه السلام - من الغائط، ثم قعد فطعم، فقالوا: يا رسول الله، ألا تتوضأ؟ قال: إنما أمرت بالوضوء للصلاة، فأما للطعام فلا".

                                                [ ص: 240 ] وأخرجه أيضا : من حديث ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس نحوه.




                                                الخدمات العلمية