الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                423 [ ص: 53 ] ص: حدثنا ابن أبي داود ، قال: نا ابن أبي مريم ، قال: أنا يحيى بن أيوب ، قال: حدثني إسماعيل بن رافع ، ومحمد بن النيل ، عن عبد الرحمن بن زيد الأنصاري ، عن أنس بن مالك قال: "أكلت أنا وأبو طلحة ، وأبو أيوب الأنصاري طعاما قد مسته النار، فقمت لأن أتوضأ، فقالا لي: تتوضأ من الطيبات؟! لقد جئت بها عراقية".

                                                فهذا أبو طلحة وأبو أيوب ، قد صليا بعد أكلهما ما غيرت النار ولم يتوضئا، وقد رويا عن رسول الله - عليه السلام - أنه أمر بالوضوء من ذلك فيما قد روينا عنهما في هذا الباب، فهذا لا يكون عندنا إلا وقد ثبت نسخ ما قد روياه عن النبي - عليه السلام - من ذلك عندهما، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار.

                                                التالي السابق


                                                ش: هذا وجه آخر في الحديث المذكور، يرويه عن إبراهيم بن أبي داود ، عن سعيد بن الحكم بن أبي مريم المصري شيخ البخاري ، عن يحيى بن أيوب الغافقي، وهو ثقة، روى له الجماعة.

                                                وإسماعيل بن رافع بن عويمر المدني، قال يحيى: ضعيف. وقال النسائي: متروك الحديث.

                                                ومحمد بن النيل الفهري المصري، ذكره ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" وسكت عنه، وقال الدارقطني: شيخ من أهل مصر ، والنيل: بفتح النون وسكون الياء آخر الحروف كذا ضبطه الدارقطني، وقال الصاغاني في "العباب": وأبو النيل الشامي ، ومحمد بن نيل الفهري من أصحاب الحديث [1\ق 113-ب] يقالان بفتح النون وكسرها، ذكره في مادة النون والياء -آخر الحروف- واللام، ومن ضبطه بالنون والباء الموحدة فقد صحف.

                                                ويحيى بن أيوب الغافقي يروي عن إسماعيل بن رافع ومحمد بن النيل هذا، وكلاهما يرويان عن عبد الرحمن بن زيد الأنصاري، قال أبو حاتم: ما بحديثه بأس.

                                                [ ص: 54 ] وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" : عن محمد بن راشد، قال: أخبرني عثمان بن عمرو التيمي ، عن عقبة بن زيد ، عن أنس بن مالك قال: "قدمت المدينة فتعشيت مع أبي طلحة قبل المغرب، وعنده نفر من أصحاب النبي - عليه السلام - منهم أبي بن كعب ، فحضرت المغرب، فقمت أتوضأ، فقالوا: ما هذه العراقية التي أحدثتها؛ من الطيبات تتوضأ؟! فصلوا المغرب جميعا ولم يتوضؤوا".

                                                قوله: "أنتوضأ" الهمزة فيه للاستفهام "من الطيبات" أي: من المواكيل الطيبات.

                                                قوله: "لقد جئت بها" أي بهذه الفعلة يعني الوضوء مما مسته النار.

                                                قوله: "عراقية" بالنصب على الحال، من الضمير الذي في "بها".

                                                قوله: "وقد رويا" جملة وقعت حالا، أي والحال أنهما -أي أبا طلحة وأبا أيوب- قد رويا عن رسول الله - عليه السلام - أنه أمر بالوضوء مما مسته النار، أما حديث أبي طلحة فهو ما رواه في أول الباب: "أنه - عليه السلام - أكل ثور أقط فتوضأ منه" .

                                                وأما حديث أبي أيوب فهو ما رواه النسائي في "سننه" : وقال: أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار، قالا: حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن عمرو بن دينار ، عن يحيى بن جعدة ، عن عبد الله بن عمرو، قال حدثني محمد القاري ، عن أبي أيوب قال: قال النبي - عليه السلام -: "توضئوا مما غيرت النار".

                                                والطحاوي لم يرو حديث أبي أيوب في هذا الكتاب، وإنما رواه في غيره، ولكن في هذا الباب -يعني باب حكم ما مسته النار- فلذلك قال: فيما قد روينا عنهما في هذا الباب.

                                                قوله: "فهذا لا يكون عندنا ... " إلى آخره إشارة إلى بيان وجه النسخ، وذلك لأن الصحابي إذا روى شيئا ثم عمل أو أفتى بخلافه يدل ذلك على أنه قد ثبت النسخ عنده فيما رواه لأنا لا نظن بالصحابة إلا كل خير.




                                                الخدمات العلمية