الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          وحدثني زياد عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلمإني أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          706 700 - ( مالك عن نافع عن ابن عمر ) هكذا رواه القعنبي وابن بكير والأكثرون ، ورواه يحيى وقوم عن مالك أنه بلغه ( أن رجالا ) لم يسم أحد منهم ( من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أروا ) بضم الهمزة مبني للمفعول ( ليلة القدر في المنام ) الواقع أو الكائن ( في السبع الأواخر ) بكسر الخاء جمع فليس ظرفا للإراءة بل صفة لقوله " في المنام " كذا قال بعضهم متعقبا قول الحافظ أي قيل لهم في المنام أنها في السبع الأواخر باقتضائه أن ناسا قالوا ذلك ، وليس هذا من تفسير قوله أروا ليلة القدر في المنام لأنه لا يستلزم رؤيتهم ، بل تفسيره أن ناسا أروهم إياها فرأوها .

                                                                                                          وظاهر الحديث أن رؤياهم كانت قبل دخول السبع [ ص: 324 ] لقوله : فليتحرها إلى آخره .

                                                                                                          قال الحافظ : والظاهر أن المراد به آخر الشهر ، وقيل : المراد السبع التي أولها ليلة الثالث والعشرين وآخرها ليلة الثامن والعشرين ، فعلى الأول لا تدخل ليلة إحدى وعشرين ولا ثلاث وعشرين ، وعلى الثاني تدخل الثانية فقط ولا يدخل ليلة التاسع والعشرين ، ويرجح الأول رواية مسلم عن ابن عمر : " التمسوها في العشر الأواخر فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي " انتهى .

                                                                                                          وقال غيره : يحتمل أنهم رأوها وعظمتها وأنوارها ونزول الملائكة فيها وأن ذلك كان في ليلة من السبع الأواخر .

                                                                                                          ويحتمل أن قائلا قال لهم هي في كذا وعين ليلة من السبع ونسيت ، أو قال ليلة القدر في السبع ، ( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أرى ) بفتح الهمزة والراء أعلم ، والمراد أبصر مجازا ، ( رؤياكم ) بالإفراد والمراد الجنس لأنها ليست رؤيا واحدة فهو مما عاقب الإفراد فيه الجمع لأمن اللبس .

                                                                                                          وقال ابن التين : المحدثون يروونه بالتوحيد وهو جائز ، وأفصح منه رؤياكم جمع رؤيا ليكون جمعا في مقابلة جمع ، وتعقب بأنه بإضافته إلى ضمير الجمع يعلم منه التعدد ضرورة ، وإنما عبر بأرى ليجانس رؤياكم وهي المفعول الأول لأرى والثاني قوله : ( قد تواطأت ) بالهمز أي توافقت ، ويوجد في نسخ بطاء ثم ياء ، وينبغي أن يكتب بالألف ولا بد من قراءته مهموزا ، قال تعالى : ( ليواطئوا عدة ما حرم الله ) ( سورة التوبة : الآية 37 ) ، قاله النووي .

                                                                                                          وقال ابن التين : روي بلا همز والصواب الهمز ، وفي المصابيح : يجوز ترك الهمز ، ( في ) رؤيتها في ليالي ( السبع الأواخر فمن كان متحريها ) أي طالبها وقاصدها ( فليتحرها في السبع الأواخر ) من رمضان ، وللبخاري في التعبير من طريق الزهري عن سالم عن أبيه : " أن أناسا أروا ليلة القدر في السبع الأواخر ، وأن ناسا أروا أنها في العشر الأواخر فقال صلى الله عليه وسلم : التمسوها في السبع الأواخر " .

                                                                                                          قال الحافظ : وكأنه نظر إلى المتفق عليه من الرؤيتين فأمر به .

                                                                                                          وقد روى أحمد عن علي مرفوعا : " إن غلبتم فلا تغلبوا في السبع البواقي " ، ولمسلم عن ابن عمر : " التمسوها في العشر الأواخر فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي " انتهى .

                                                                                                          وظاهر الحديث : إن طلبها في السبع مستنده الرؤيا وهو مشكل ، لأنه إن كان المعنى أنه قيل لكل واحد هي في السبع فشرط التحمل التمييز وهم كانوا نياما ، وإن كان معناه أن كل واحد رأى الحوادث التي تكون فيها في منامه في السبع فلا يلزم منه أن يكون في السبع ، كما لو رأيت حوادث القيامة في المنام فإنه لا يكون تلك الليلة محلا لقيامها .

                                                                                                          والجواب أن الإسناد إلى الرؤيا إنما هو من حيث الاستدلال بها على أمر وجودي غير مخالف لقاعدة الاستدلال لأنه استند إليها في أمر ثبت استحبابه مطلقا وهو طلب ليلة القدر لا أنها أثبت بها حكم ، وإنما ترجح السبع الأواخر لسبب المرائي الدالة على كونها [ ص: 325 ] فيها وهو استدلال على أمر وجودي لزمه استحباب شرعي مخصوص بالتأكيد بالنسبة إلى هذه الليالي ، أو أن الإسناد إلى الرؤيا إنما هو من حيث إقراره صلى الله عليه وسلم لها كأحد ما قيل في رؤيا الأذان ذكره الأبي ، وهذا الحديث أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى كلاهما عن مالك عن نافع به .




                                                                                                          الخدمات العلمية