حدثنا أبو النضر العقيلي قال حدثنا يعقوب بن نعيم الكاتب ، قال حدثني محمد بن ضوء التيمي قال سمعت إسماعيل بن جامع السهمي يقول : ضمني الدهر ضما شديدا بمكة ، فانتقلت منها بعيالي إلى المدينة ، فأصبحت يوما لا أملك إلا ثلاثة دراهم ، فخرجت وهي في كمي ، فإذا بجارية حميراء على رقبتها جرة تريد الركي ، تمشي بين يدي وتترنم بصوت شجي تقول فيه :
شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا وذلك أن النوم يغشى عيونهم
سراعا وما يغشى لنا النوم أعينا إذ ما دنا الليل المضر بذي الهوى
جزعنا وهم يستبشرون إذا دنا فلو أنهم كانوا يلاقون مثل ما
نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا
لم تمش ميلا ولم تركب على جمل ولم تر الشمس إلا دونها الكلل
تمشي الهوينا كأن الشوك يحبسها مشي اليعافير في جيئاتها الوجل
يا دار أضحت خلاء لا أنيس بها إلا الظباء وإلا الناشط الفرد
أين الذين إذا ما زرتهم جذلوا وطار عن قلبي التشواق والكمد
فو الله ما أدري أيغلبني الهوى إذا جد وشك البين أم أنا غالبه
فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى ففي دون ما لاقيت يغلب صاحبه
مررنا على قيسية عامرية لها بشر صافي الأديم هجان
فقالت وألقت جانب السجف دونها من آية حي أو من الرجلان
فقلت لها أما تميم فأسرتي هديت وأما صاحبي فيماني
رفيقان ضم السفر بيني وبينه وقد يلتقي الشتى فيأتلفان
أمس بأسماء هذا القلب معمودا إذا أقول صحا يعتاده عيدا
كأن أحور من غزلان شيهمة أعارها شبها خديه والجيدا
قامت تراءى وقد جد الرحيل بنا لتنكأ القرح من قلب قد اصطلدا
بمشرق كشعاع الشمس بهجته ومسبكر على لباتها سودا
تعيرنا أنا قيل عديدنا فقلت لها إن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل وجارنا عزيز وجار الأكثرين ذليل
وإنا لقوم ما نرى القتل سبة إذا كرهته عامر وسلول
يقرب حب الموت آجالنا لنا وتكرهه آجالهم فتطول
وددتك لما كان ودك خالصا وأعرضت لما صار نهبا مقسما
ولن يلبث الحوض الوثيق بناءه إذا كثر الوراد أن يتهدما
وما كر إلا كان أول طاعن ولا أبصرته العين إلا اقشعرت
فيدرك ثأرا ثم لم يخطه الغنى فمثل أخي يوما به العين قرت
وإن طلبوا وترا بدا بتراتهم ويضربهم شزرا إذا الخيل ولت
فلست أرزأ بعده برزية فأذكره إلا سلت وتجلت
لحا الله صعلوكا يبيت وهمه من الدهر أن يلقى لبوسا ومطعما
ينام الضحى حتى إذا نومه استوى تنبه مسلوب الفؤاد مورما
ولكن صعلوكا يساور همه ويمشي على الهيجاء ليثا مصمما
فذلك إن يلق المنية تلقه كريما وإن يستغن يوما فربما
إذا كنت ربا للقلوص فلا تدع رفيقك بمشي خلفها غير راكب
أنخها فأردفه فإن حملتكما فذاك وإن كان العقاب فعاقب
ألم تر لما ضمني البلد القفر سمعت نداء يصدع القلب يا عمرو
أغثنا فإنا معشر مذحجية نزار على وفر وليس لنا وفر
فلما تلاقينا وسلمت أشرقت وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا
تبالهن بالعرفان لما رأينني وقلن امرؤ باغ أكل وأوضعا
فلما تواضعنا الأحاديث قلن لي أخفت علينا أن نغر ونخدعا
عوجي علي فسلمي جبر فيم الوقوف وأنتم سفر
ما نلتقي إلا ثلاث منى حتى يفرق بيننا النفر
[ ص: 533 ] تعليقات على بعض ما جاء في هذا الخبر
قال القاضي رحمه الله : قول الشاعر في هذا الخبر اليعافير اليعافير جمع يعفور وهي التي يضرب لونها إلى الحمرة من الوحش ، وهي المعفرة ، ويقال للتراب أعفر كما قال أبو كبير الهذلي :
يا لهف نفسي كان جدة خالد وبياض وجهك للتراب الأعفر
وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس
واستقبلت ظعنهم لما احزأل بهم مع الضحى ناشط من داعيات دد
يا ليتني فيها جذع أخب فيها وأضع
فقالت ابن قيس ذا وبعض الشيب يعجبها
استحدث الركب من أشياعهم خبرا أم راجع القلب من أطرابه طرب
تروح من الحي أم تبتكر وماذا يضرك لو تنتظر
عسعس حتى لو يشاء ادنى كان له من ضوئه مقتبس
ألا أيها الليل الطويل ألا أصبح سريعا وما الإصباح فيك بأصلح