فصل
قال بعض علماء السنة: حكى في مجرد قوله: إن استواء الله عز وجل على العرش عند ابن فورك أبي الحسن من صفات الأفعال. وكذلك المجيء في قوله عز وجل: وجاء ربك والملك صفا صفا . [ ص: 113 ] وقوله : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله . وكذلك النزول في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -.
66 - " ينزل الله تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا ". وهذا كله على خلاف ما مضى عليه الصدر الأول ومن تبعهم.
وزعم هؤلاء: أن معنى قوله: الرحمن على العرش استوى أي ملكه ، وأنه لا اختصاص له بالعرش أكثر مما له بالأماكن، وهذا إلغاء لتخصيص العرش وتشريفه.
قال أهل السنة: على ما ورد به النص. وليس معناه المماسة، بل هو مستو على عرشه بلا كيف، كما أخبر عن نفسه. خلق الله السماوات والأرض، وكان عرشه على الماء مخلوقا قبل خلق السماوات والأرض، ثم استوى على العرش [ ص: 114 ] بعد خلق السماوات والأرض
وزعم هؤلاء: أنه لا يجوز الإشارة إلى الله سبحانه بالرؤوس والأصابع إلى فوق، فإن ذلك يوجب التحديد.
وقد أجمع المسلمون أن الله هو العلي الأعلى، ونطق بذلك القرآن في قوله: سبح اسم ربك الأعلى .
وزعموا: أن ذلك بمعنى علو الغلبة لا علو الذات. وعند المسلمين أن لله عز وجل علو الغلبة. والعلو من سائر وجوه العلو لأن العلو صفة مدح، فثبت أن لله تعالى علو الذات، وعلو الصفات، وعلو القهر والغلبة.
وفي منعهم الإشارة إلى الله سبحانه من جهة الفوق خلاف منهم لسائر الملل؛ لأن جماهير المسلمين، وسائر الملل قد وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله جل ثناؤه من جهة الفوق في الدعاء، والسؤال. فاتفاقهم بأجمعهم على ذلك حجة. ولم يستجز أحد الإشارة إليه من جهة الأسفل، ولا من سائر الجهات سوى جهة الفوق.
وقال الله تعالى: يخافون ربهم من فوقهم . وقال: [ ص: 115 ] إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه . وقال: تعرج الملائكة والروح إليه وأخبر عن فرعون أنه قال: يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا فكان فرعون قد فهم عن موسى أنه يثبت إلها فوق السماء حتى رام بصرحه أن يطلع إليه، واتهم موسى بالكذب في ذلك. والجهمية لا تعلم أن الله فوقه بوجود ذاته، فهم أعجز فهما من فرعون، وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه.
67 - سأل الجارية التي أراد مولاها عتقها. أين الله؟ قالت: في السماء، وأشارت برأسها. وقال: من أنا؟ فقالت: أنت رسول الله. فقال: اعتقها فإنها مؤمنة.
فحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بإيمانها حين قالت: إن الله في السماء، وتحكم الجهمية بكفر من يقول ذلك.